أحمد شوبير يكتب | ليس بوفون ولا نوير ولكنه غلام اسمه شوبير

7 أغسطس، 2016 11:30 م 340 مشاهدة
أحمد شوبير

بقلم : أحمد شوبير

فى خضم ما دار من أحداث وتعقيبات وتحليلات وتنظيرات عقب هزيمة منتخب مصر للناشئين من نظيره الإثيوبى، تذكرت على الفور فصلا خالدا من التاريخ الكروى المصرى الذى ليس ببعيد، فمنذ 38 عاما، وبالتحديد فى أغسطس 1978، كنت أحرس مرمى منتخب مصر، وكان عمرى يقترب من الثمانية عشر عاما، وكان الكثيرون يتنبأون بأننى حارس المستقبل فى مصر والأهلى، وفى ذلك الحين خضنا تصفيات كأس العالم، ولعبنا المباراة الأولى أمام تونس بالنادى الأهلى، وخسرنا صفر/1 بخطأ فادح منى، وفى مباراة العودة أصبح الخطأ خطأين، وتسببت أنا فى خروج منتخب مصر من التصفيات بالهزيمة مجددا صفر/2، ويومها انهالت الصحف علىَّ هجوما كاسحا، لدرجة أن أحدهم كتب عنوانا على وزن مسرحية عادل إمام الشهيرة «حارس ماشفش حاجة»، وتعجب النقاد كيف يرى البعض فى شخصى حارسا للأهلى ومصر فى المستقبل، وظلت الصحف لمدة أسبوع كامل تكيل للمنتخب ولاعبيه لكمات وعناوين ومانشيتات وتؤكد أن هذا الجيل هو الأسوأ فى تاريخ الكرة المصرية، وأن الأفضل أن يعلنوا اعتزالا جماعيا مبكرا والبحث عن أى وظيفة أخرى، فلا أحد منهم يصلح أصلا لأن يكون لاعبا، وكان نصيبى هو الأوفر دائما من الهجوم والنقد والاستهزاء، ولكنى كنت سعيد الحظ أنه لم يكن هناك «فيس بوك» ولا محللون على غرار بعض المحللين الحاليين، وبعد أن كدت أصل إلى درجة اليأس وأقرر الاعتزال أنا والعديد من لاعبى الفريق بسبب هذا الهجوم الضارى، إذ بشمعة وسط الظلام تضىء لى الطريق، فقد كان الراحل عباس لبيب يكتب عمودا فى جريدة الأهرام بعنوان «حديث ذو شجون»، وكنت قد رجعت إلى طنطا وانقطعت عن التدريبات، وفوجئت بوالدى يحمل لى المقال الذى كتبه عباس لبيب فى حقى ويقرأه وهو يبكى بالدموع، فقد كتب الراحل الكبير عنوانا أستعيره اليوم مع تغيير طفيف فى الأسماء، فقد قال فى عنوانه «ليس سيب ماير أو ياشين، ولكنه غلام اسمه شوبير»، وقرأت المقال الأمل الذى كان بمثابة طوق نجاة فى عز لحظات الغرق، وظللت محتفظا به لسنوات طويلة، فقد كان الرجل أديباً رائعاً رشيقاً فى سطوره، عميقاً فى كلماته، معبراً فى تعبيراته، فكتب يناشد الجميع الهدوء، ووقف حملات النقد ومساندة هذا الحارس الصغير، مؤكدا أنه سيصبح حارساً لامعاً، وذكر النقاد بأن هذا الحارس ليس سيب ماير أو ياشين، وكانا أعظم حارسين فى العالم آنذاك، كما طالب الرجل النقاد برفع أيادى النقد والاستهزاء والسخرية عن المنتخب ومنح لاعبيه الفرصة، فمازالوا أطفالا صغارا يستحقون المساندة والدعم.

 

كان هذا ما قاله عباس لبيب منذ 38 عاما بالتمام والكمال، فماذا كان مصير لاعبى هذا المنتخب؟ أصبح أحمد شوبير حارس الأهلى ومنتخب مصر الأول وكابتن الاثنين معا لسنوات طويلة، وتأهل مع مصر لأول مرة منذ سنوات بعيدة إلى كأس العالم، محققا حلما طالما راود الملايين من المصريين، وحصل على جائزة رابع أفضل حارس مرمى فى كأس العالم بإيطاليا، وأفضل حارس فى أفريقيا، وثالث أفضل لاعب فى أفريقيا مرتين، وأفضل لاعب فى مصر أكثر من مرة، وأفضل حارس مرمى فى مصر 14 سنة متتالية، محطما كل الأرقام، أما زملاؤه الذين طالبهم البعض بالاعتزال فقد كان منهم إبراهيم يوسف أحسن ليبرو فى تاريخ الكرة المصرية، وحسام البدرى أحد أهم المدافعين والمدربين فى تاريخ مصر، ومحمد حازم أحد أهم المواهب المصرية عبر تاريخها، ونصر إبراهيم هداف الزمالك السابق، والراحل حاتم كردى نجم الأهلى السابق، وأثبتوا للجميع أنه قد يغيب عنك التوفيق مرة لكن هذه المرة قد تكون سبيلا إلى تألق ونجومية وصناعة تاريخ.

 

فمن غير المنطقى إذن واللامعقول، بل واللا مقبول، أن يسن محلل سيف الانتقام من أب لخلافات رأى ووجهات نظر ليقطع به رقبة غلام صاعد واعد دون النظر إلى شروعه بهذا الشكل فى قتل موهبة ربما تكون يوما علامة فى تاريخ حراسة المرمى فى مصر، ولعلى أتساءل: هل كان خروجنا فى تصفيات سابقة بسبب الغلام شوبير؟ ولماذا لم يسن نفس هؤلاء المحللين حينها سكاكينهم، ويستلوا سيوفهم كما فعلوا هذه المرة؟ أم لأن الغلام هذه المرة اسمه شوبير؟!!

 

ولأن الظلم ظلمات والحكم بالإعدام دون تحرى دقة الأدلة ويقين البراهين ما هو إلا قتل عمد مع سبق الإصرار والترصد، فإننى وأثناء تحليلى لأداء الحراس فى كل مناسبة أقدم التماس العذر على شرح الخطأ، وأثمن دور التوجيه قبل أى توبيخ، لأننا جميعا بشر نخطئ ونصيب، وفى كل موقف أرى فيه سيوف التربص وسكاكين الانتقام أقول «الله يرحمك يا عباس يا لبيب»، ومع ذلك فكلى يقين بأن هذا الجيل الذى يذبحونه الآن، بقيادة حارسه، سيقدم لمصر أفضل مما قدمه جيل شوبير ويوسف والبدرى وحازم وكردى ورفاقهم.

 

شكرا للنجم الكبير محمد صلاح، فقد أثبت أن الاحتراف ليس كرة قدم فحسب، وإنما نموذج حقيقى لاكتمال الصورة الجميلة التى تنصهر فيها النجومية مع الأخلاق والتربية والأدب والسلوك، فقد لعب «صلاح» دور عباس لبيب مع الغلام الجديد شوبير.

 


المصدر : جريدة المصري اليوم

مواضيع ذات صلة



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *