أحمد قاسم يكتب | أردوغان إلى بوتين.. وحلحلة العُقَدْ !

25 يوليو، 2016 12:27 ص 234 مشاهدة
أحمد قاسم

مقال بقلم : أحمد قاسم

لا شك أن زيارة الرئيس التركي “رجب طيب أردوغان”، إلى سان بترس بورغ للإلتقاء برئيس روسيا  “فلاديمير بوتينط  تشكل حلقة أخرى في مراجعة سياسات قد رُسِمَتْ خطوطها مع بداية الثورة السورية، والتي ألقت بظلالها على طبيعة العلاقات الدولية والإقليمية وبالتوافق مع الرؤى لمستقبل سوريا والمنطقة برمتها.

قبل إندلاع الثورة السورية، كان هناك العديد من المشاريع الإقتصادية تَحْمِلْ للمنطقة بشرى خيرٍ على شعوبها لو نفذت، إلى جانب تطور الرؤى السياسية باتجاه حلحلة العقد الشائكة والقضايا التي تمس حقوق الإنسان، وكذلك قضية التعايش بين الشعوب ضمن توافقات تؤمن الحقوق والمصالح المتوازنة ضمن دولة واحدة. إلا أن التركة التي خلفتها مرحلة الحرب الباردة من أنظمة وحكومات كانت ولا تزال العائق الأكبر أمام تطور المفاهيم تجاه التحولات الكبرى مع ثورة اللإتصالات. فكانت تركيا من تلك الدول التي بدأت تغير من سياساتها من خلال إتباعها سياسة أكثر مرونة تجاه قضايا المنطقة، وإتباع الحوار لحل المشكلات والقضايا، ومنها القضية الكوردية المعلقة حتى الآن ” فلم ترى حلولاً، وهي أكبر المشكلات”.
مع التطورات الحاصلة على خلفية الأزمة في سوريا، ترتب نوع آخر من العلاقات بين الدول، وبالتالي شملت تلك العلاقات القوى والأحزاب السورية لتتمحور حول محاور تشكلت تبعاً للمصالح التي نظمتها الدول المتنفذة ( بين من هو إلى جانب النظام في دمشق، ومن هو في نقيضه).

وبالتالي لعبت تلك المصالح دوراً سلبياً بين تركيا وروسيا، كونهما على النقيض من الموقف تجاه النظام في دمشق، وذلك، مع المحاولة الحثيثة بين الدولتين للحفاظ على علاقاتهما القائمة في مجال الإقتصاد والأعمال، إلى جانب الحفاظ على حلمهما المشترك في مجال الطاقة. هذا، إلى جانب التطور الحاصل في مجال الحرب على الإرهاب وتشكيل تحالف دولي ضد الإرهاب من دون مشاركة تركيا، وإنضمام وحدات حماية الشعب والمرأة الكورديتين إلى ذلك التحالف لتكون أكبر قوة على الأرض في مواجهة ” داعش ” مما أثارت غضب تركيا، وخلق نوع من الخلاف بين الحليفين في الناتو ( التركي والأمريكي )، إضافة إلى ذلك قطع العلاقات بين روسيا وتركيا على خلفية إسقاط الطائرة الروسية التي شكلت تهديداً مباشراً على المصالح التركية على المستويين الإقليمي والدولي.

مع مراجعة تركيا لكامل سياساتها تجاه القضايا العالقة في المنطقة، أدركت أنها تواجه أزمة قد تعصف بها، وخاصة أن مجموعة من القضايا الداخلية لم تجد لها حلول، وفي مقدمة تلك القضايا ” هي قضية الشعب الكوردي ” واستئناف الحرب مع الحزب العمال الكوردستاني، وكذلك حركة العلويين المناهضين لحكومة أردوغان المدعومة من إيران وسوريا، إضافة إلى الخلايا الإرهابية التي في حالة ” القيلولة ” تنتظر لحظة الفوضى في تركيا، وتأشيرة النهوض. هذا، إن غضنا الطرف عن القوة الفاعلة المرتبطة بـ( فتح الله غولين ) المعارض لأردوغان وحزبه… كل ذلك كان عبئاً ثقيلاً على حركة الحكومة في أنقرة.. وفجأة إستقال أحمد داوود أغلو ” مهندس صفر الأعداء ” ليتم تشكيل حكومة جديدة برئاسة ( بن علي )، والبدء بمراجعة المواقف من كل ما يحدث حولها.. لتأتي محاولة الإنقلاب العسكري، بمثابة خضة هزت كامل أركان تركيا، لتكون سبباً في قلب كل الإستراتيجيات، أولها، الموقف من روسيا، حيث تُوِجَتْ بزيارة رجب طيب أردوغان إلى روسيا واللقاء ببوتين على حساب حلفائه التاريخيين أمريكا وأوربا ( متهماً أوروبا وأمريكا عشية زيارته، بأنهما لم تقفا ضد الإنقلاب العسكري، لا بل وقفتا ضد إجراءاته تجاه الإنقلابيين عن طريق توجه إنتقادت قوية له ).

أعتقد أنها زيارة تاريخية، ستلقي بظلالها على مجمل العلاقات الدولية في المنطقة، وخصوصاً على مجريات الأحداث في داخل سوريا ” أمنياً وعسكرياً ” عوضاً عن إستئناف العلاقات الإقتصادية والسياحية، إلى جانب إستئناف العمل لتنفيذ مشروع تمديد الغاز عبر تركيا إلى يونان، وكذلك بناء مفاعلاً نووياً لتأمين الطاقة في تركيا.. إضافة إلى ذلك، قد تعقب هذه الزيارة تحرك تركي تجاه إيران والعراق والأسد أيضاً بدفع من بوتين.. ( هذه هي البراغماتية التركية من أجل تأمين مصالحها الإقتصادية والأمنية ) ولكن ماذا بعد؟

من أجل تأمين الحد الأدنى من الأمن والأمان والإستقرار في تركيا، و في هذه الظروف التي تواجه المنطقة بعواصف مدمرة، على الحكومة التركية العودة إلى الداخل، وترتب بيتها الداخلي بدءً من الوقوف على القضية الكوردية والبحث عن حل توافقي بين الشعبين التركي والكوردي، كون هذه القضية أصبحت تشكل ورقة فاعلة وقوية تستعملها القوى الشوفينية التركية، لتحرك القوة العسكرية وإشعال الحروب التي تضر بمصلحة الشعبين، مستفيدة من النبرات الشوفينية الكوردية التي تعلو حيناً بعد آخر، وهي الآخرى تستغل سياسات الحكومات الخاطئة طوال مراحل سابقة تجاه هذه القضية المهمة والمفصلية في حياة تركيا شعباً ووطناً.

أعتقد أن الرهان على الأصدقاء في الخارج من أجل بناء علاقات قوية دولياً وإقليمياً، والإستقواء بها من دون إجراء إصلاح داخلي وحل قضايا بحجم قضية الكورد التي تمتد عمرها أكثر من مائة عام، ولم يتم القضاء عليها بأكبر حملات عسكرية لن يوفي بالمأمول. فإذاً كانت كل المحاولات السابقة التي كانت تستهدف حلولاً أو القضاء عليها بائت بالفشل. وبالتالي على الحكومة التركية مراجعة سياساتها تجاه هذه القضية بأكثر أهمية و عمقاً، كما تراجع الآن سياساتها تجاه مجمل القضايا الدولية والإقليمية لإكمال مسيرتها نحو تأمين الأمن والإستقرار للشعب التركي وتأمين مصالحه. تقتضي ذلك من دون أدنى شك على العيش المشترك المتوازن بين الشعبين التركي والكوردي دستورياً، والإقرار بحقوق الشعب الكوردي القومية وفقاً للمواثيق والقوانين الدولية يتوافق عليها الشعبين التركي والكوردي بحرية، لطالما أن القضية تمتلك مشروعية الحل بشكل سلمي بعيداً عن حصرها بين حزبين، كون القضية تمس وجود شعب وحقوقه وليس قضية حزب بعينه. وأعتقد أن حل هذه القضية ستكون مفتاحاً لحل جميع القضايا الوطنية والقومية في البلاد، عندها فقط يمكن أن نقول بأن تركيا تجاوزت كل خطوط المخاطر التي تواجهها في طريقها نحو التطور الحضاري والإنساني.

أعتقد أن إختزال حقوق الشعوب بمصير أحزاب ” تشويه لمشروعية تلك الحقوق”، وبالتالي عملية الإلتفاف و الهروب من الإستحقاقات الحتمية التي لا يمكن طمسها مع سياسات الأحزاب ” قد تكون مشوهة هي الأخرى “. فتبقى الحكومات هي المسؤولة عن حل قضايا الشعوب لإكمال شرعيتها القانونية والدستورية اللائقة بالإنسان، وبالتالي فإن الحكومة التركية معنية أولاً وأخيراً بحل قضية هذا الجزء الأصيل من شعبه الكوردي, كون تركيا هي الآخرى يتكون شعبها من العديد من المكونات، والكورد هم ثاني أكبر مكوناتها العرقية. وهو أول من وقف ضد الإنقلاب العسكري مؤخراً، كونه يدرك تماماً أن العسكر هو من يعيق عليه حرياته القومية والوطنية، وهو الذي دمر مدنه وقراه بهدف القضاء على الحزب العمال الكوردستان. فقد تم تهجير الملايين من مدنهم وقراهم، وإستشهاد عشرات الآلاف من الأبرياء، وتدمير العشرات من الأقضية والنواحي والقرى… إلا أن ( حزب العمال الكوردستاني ) باقٍ في مكانه، والعسكر باقٍ في مواجهته، والخاسر الأكبر هو الشعب الذي رفض الحرب والعسكر والسلاح، وأراد صوت السلام والعيش المشترك بإرادته الحرة. ألا يستحق هذا الشعب أن يُقِرَ حقه في تقرير مصيره لطالما اختار العيش بسلام مع شريكه التركي؟



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *