أحمد قاسم يكتب | المتعثر على طريق آسيتانة.. والأمل الكوردي

8 يناير، 2017 10:12 م 442 مشاهدة
أحمد قاسم

مقال بقلم : أحمد قاسم

لعبة ذكية لعبتها روسيا مع نهاية عهد أوباما والفاصل الزمني الذي يتم فيه التحضير لإستلام الرئيس الجديد المنتخب دونالد ترامب، ظناً منها، وبالتعاون مع الأطراف المؤثرة على الأرض، أنها ستخطف الملف السوري من مجلس الأمن والهيئة العامة للأمم المتحدة التي تعمل عليه منذ عام 2012، والتي أثمرت على لقاءات جنيف بين المعارضة والنظام، ولا زالت تتابع عن كثب مجمل الأوضاع في سوريا من خلال موفدها، ستيفان دي ميستورا، والعديد من المنظمات الحقوقية والمدنية والإغاثية.. ولا شك أن كل المحاولات التي عملت عليها الأمم المتحدة كانت تتعثر عند الحاجز الروسي المُدَعَمْ بحقها في اِستعمال حق النقض “الفيتو”، الذي أجهض كل المحاولات من أجل وضع حدٍ للنظام الذي إختار الحرب في مواجهة الثورة السلمية التي انطلقت في 15\3\2011 من درعا وشملت كل البلاد من أجل الحرية والكرامة.

إن التقارب الروسي التركي الإيراني دغدغ مشاعر وأحاسيس روسيا باتجاه تحريك الملف السوري بعيداً عن مجلس الأمن وبغياب الولايات المتحدة الأمريكية والإتحاد الأوروبي من خلال قبولها دخول تركيا عسكرياً إلى الريف الشمالي في حلب، وإخراج قوات المعارضة مع سكان مدينة حلب “القسم الشرقي والجنوب الشرقي من المدينة” التي تقع تحت سيطرة المعارضة، وذلك لسيطرة النظام على كامل المدينة تمهيداً لصياغة مشروع تتفق عليها تركيا وإيران من أجل التمسك بالملف لطالما أن علاقات تركيا تشوبها البرودة مع أمريكا والإتحاد الأوروبي وخاصة بعد المحاولة الإنقلابية التي قام بها أنصار ( فتح الله غولن ) في تموز الماضي  والتي بائت بالفشل.

تركيا تتهم الولايات المتحدة الأمريكية بأنها هي من تقف وراء ( غولن )….. وأن الإتحاد الأوروبي تتهمها مؤخراً بأنها تتجه نحو الدكتاتورية على خلفية إعلانها لحكم الطوارئ واعتقال عشرات الآلاف من أنصار ( غولن وحزب الشعوب الديمقراطية ) وكذلك فصل عشرات الآلاف من وظائفهم.. كل ذلك وكأن الفرصة أصبحت متاحة لروسيا من أجل إستغلال تركيا وتمرير مشروعها وفقاً لأجنداتها ومصالحها من خلال التقرب إلى تركيا أكثر فأكثر مع ضمانها لموقف إيران والنظام في دمشق، والتي أثمرت إلى الإعلان عن وقف إطلاق النار في كل سوريا مستثنية منها كل من ( جبهة النصرة وداعش ) الإرهابيتين على لائحة مجلس الأمن.

ويبدو أن إيران لم تعجبها كثيراً هذا التقارب الروسي التركي الذي يشبه ” شهر العسل ” وقد يطول.

كان في حساب إيران على أنها سوف تستمر بالعملية التي باتت ناجحة للإستيلاء على كامل سوريا، وسوف تكون إدلب آخر معاقل المعارضة، لتواجه الحصار والخناق بالتعاون مع تركيا وروسيا، وبالتالي يتم القضاء بشكل كامل على المعارضة السورية وفرض شروط الإستسلام من أجل بقاء النظام وعلى رأسه بشار الأسد، وليكون المذكور أسيراً لسياسات إيران الإقليمية مع الحفاظ على المصالح الروسية الإقليمية لطالما أنها حافظت على النظام عسكرياً ودبلوماسياً، فمن حقها أن تحافظ على ما تراه صالحاً لمصلحتها من خلال تواجدها العسكري على الأراضي السورية.

إلا أن ومن جهة روسيا، التي ترى أن التقارب الروسي التركي على حساب علاقات تركيا مع الولايات المتحدة والإتحاد الأوروبي أهم بكثير من قبولها بلعبة إيران الإقليمية بمظهر طائفي.

وترى روسيا، أن الذهاب مع إيران “للأخير” سيشكل خطراً جدياً على علاقاتها مع دول الخليج، وبالتالي فإن إيران لا يمكن أن تعوضها الخسائر التي ستنجم عن تحالفها معها. من هنا كانت سيطرة النظام على حلب شكلاً، والحقيقة أن الميليشيات الإيرانية والعراقية والأفغانية بما فيهم ميليشيات حزب الله اللبناني هم من يسيطرون على مدينة حلب من جهة، ومن جهة ثانية، أن هذه الميليشيات أظهرت حقيقة مآربهم الطائفية عندما ألحقت ببنود الإتفاق سكان ( كفريا وعانا ) الشيعيتين لإخراجهم وإسكانهم في حلب بدلاً من الذين أخرجهم من السكان الحلبية وهجّرهم باتجاه إدلب. وكانوا يعلنون جهاراً نهاراً أن إدلب ستكون مقبرة للمعارضة. وهذا ما إستفزا تركيا، حيث كادت أن تهدم العملية برمتها، إلا أن الروس حسمت العملية من خلال عقد إتفاقية وقف لإطلاق النار في جميع أنحاء سوريا بغياب إيران والنظام السوري، كونها ضمنت النظام وإيران على أن تضمن تركيا المعارضة المسلحة والسياسية.

لكن ومع مجريات الأحداث تبينت أن إيران والنظام لم يلتزما ببنود الإتفاق من خلال استمرارية حربهما ضد المعارضة في العديد من المناطق، مما أدى إلى مطالبة تركيا الروس بالقيام بعمل يردع به النظام والميليشيات التابعة لإيران، فكانت النتيجة عرض ملف الإتفاق كمشروع روسي إلى مجلس الأمن من أجل الحصول على الدعم الأممي لإنجاح لقاء ( آسيتانة ) والتي ستدعى إليه كل من النظام والمعارضة برعاية تركية وروسية خارج المظلة الأممية.

لكن المشروع اصطدم برفض أوروبي، وتم تعديله وتبديله جوهرياً على أن يكون لقاء ( آسيتانة ) تحت المظلة الدولية، ولتكون مقدمة للقاء جنيف وتحت رعاية المبعوث الأممي ( ستيفان دي ميستورا ).

يبدو أن العملية برمتها خرجت من السيطرة الإقليمية مرة أخرى، ويبقى الملف تحت السيطرة الأممية. إلا أن المتغيرات التي حصلت جراء توافق روسي تركي إيراني بقيت على حالها. حيث أن تركيا من خلال دعمها “لدرع الفرات” بقيت مسيطرة على الريف الشمالي لحلب وقد تمتد إلى ريف إدلب، طالما أنها فتحت طريقها بصورة واضحة إلى دعم المعارضة المسلحة تحت مظلة محاربة الإرهاب. وأن النظام والميليشيات التابعة لإيران تحاولان مد نفوذها إلى أوسع مساحة من الأرض ومحاولاته للسيطرة على وادي بردى الذي ينافي بنود إتفاق وقف القتال.

في حين وحدات حماية الشعب التابعة لحزب الإتحاد الديمقراطي ستبقى هي المسيطرة على مساحات كاملة لكوردستان سوريا وقيادتها لقوات سوريا الديمقراطية.. وهناك أنباء أن قوات الحشد الشعبي الشيعي العراقي تتجه نحو الحسكة في طريقها للسيطرة على منطقة الجزيرة والرقة بعد تحريرها من “داعش”.

أي أن الصورة الحالية للتوزع الديمغرافي والعسكري في تبدل مستمر لطالما أن إتفاق وقف إطلاق النار لم يأخذ مجراه الحقيقي والإلتزام من قبل الأطراف ببنود الإتفاق، وأن الإتفاقية قابلة للإنهيار في أية لحظة إن لم تعلن إنهيارها وهي منهارة… إضافة إلى أن كل الأطراف تنتظر ما ستتخذ أمريكا بعد إستلام ترامب، لطالما أن إتفاقية أنقرة بقيت هشة، وأن الفرصة ما تزال صانحة لإلتحاق أمريكا بالعملية ثانية وقد تكون حاسمة مع ترامب… ( لا أحد يدري ).

يبقى لقاء ( الآسيتانة ) مرهون بوقف إطلاق النار حسب بنود الإتفاق، مما يعني أن اللقاء قد لا يتم في ظل هذه الظروف الأمنية والعسكرية.لكن حتى وإن حصل ذلك، فلا أعتقد أن تكون النتيجة ما نأمل منه، كون طرف النظام وداعمه الإيرانيون لم يتخلوا عن تمسكهم بأي شكل من الأشكال بالحسم العسكري لطالما في نظرهم، أن المعارضة العسكرية في حالة الضعف والإنكماش، وهي قابلة عند حصارها للمساومة على الإستراتيجيات، وبالتالي، فإن الذهاب معها إلى المفاوضات قد لا تجدي نفعاً للأمد البعيد، وقد تكون فرصة تستغلها المعارضة عند ضعفها، وستقوي نفسها في وقت لاحق لإستئناف ( الثورة من جديد على النظام ) بصورة أخرى. لذلك يجب القضاء عليها عسكرياً طالما ذلك ممكن في هذه الظروف ( طبعاً حسب وجهة نظر النظام ).

إن تم لقاء ( آسيتانة ) أعتقد أنه سيحضر وفد النظام بشكل صوري لإفشال المفاوضات وعدم الوصول إلى اعتماد ورقة سياسية تنقلهم إلى جنيف. ومن طرف المعارضة، حسب تصريحاتها، أنها تشد الرحال إلى آسيتانة تمهيداً للوصول إلى جنيف، وهي تظن وتدرك أن المفاوضات مع النظام على ورقة سياسية أفضل بكثير من الإستمرار في حربها ضد النظام في ظل ظروف لم تكن لصالح المعارضة لا عسكرياً ولا سياسياً وطالما أن المجتمع الدولي وحتى الدول الداعمة للشعب السوري ومعارضته السياسية والعسكرية وصلت إلى قناعة تامة بأن الخيار العسكري لا يجدي إلا مزيداً من القتل والدمار، ولا يمكن لطرف أن يحسم المعركة ضد الطرف الآخر. والسبيل الوحيد لإنهاء الصراع هو حل النزاع بطرق سلمية وعن طريق مفاوضات تحت المظلة الدولية.

كوردياً، كان من الممكن أن يستفيد الكورد من هذا اللقاء أو لقاءات أخرى على المستوى الدولي لو تم الإتفاق فيما بينهم على وفد موحد يمثل كافة أطراف الحركة السياسية وكذلك المجتمعية الكوردية، ولكن مع شديد الأسف على الحالة المزرية لهذه الحركة التي لا تملك أية مقومات للتمثيل الكوردي، كونها مشتتة عمودياً وافقياً لا يمكن بأي حال من الأحوال لملمتها، فهي في حالة عداوة ضد بعضها البعض أشد من عداوتها للأعداء والذين يعملون ليل نهار للقضاء على الوجود الكوردي.

من جهة، يرى حزب الإتحاد الديمقراطي أنه مسيطر على الأرض وله أجنحة مسلحة متعددة، يرى نفسه من خلالها على أنه في حالة لتشكيل دولة بكامل مؤسساتها التشريعية والتنفيذية والقضائية من خلال كانتوناته الثلاث، وذراعه العسكري الذي سمي بـ( وحدات حماية الشعب والمرأة )،حيث كسبت سمعة موصوفة بالبطولة والبسالة الرائعة ضد وجود ” داعش ” وقواتها التي أرعبت العالم، مما دفعت بالولايات المتحدة لإتخاذ قرار من أجل دعم هذه القوات في حربها ضد الإرهاب، واعتبارها من أهم القوات على الأرض السورية والمتحالفة مع التحالف الدولي ضد الإرهاب، وبالتالي من وجهة نظر حزب الإتحاد الديمقراطي من حقه أن لا يشارك أحداً معه في هذه المكتسبات،  وأن يكون مشاركاً في أية مفاوضات إقليمية ودولية، وخصوصاً أنه يمتلك قوة أكثر تماسكاً وعدداً، وله الحق أيضاً بأن يمثل الكورد في أية محفل دولي لطالما ضحى بالآلاف من خيرة شباب وبنات الكورد في جبهات القتال مع ” داعش “… إلا أن ارتباطه بالحزب العمال الكردستاني إرتباطاً عضوياً، وتفرده بالحكم على المناطق الكوردستانية في سوريا، ورفضه مشاركة المختلف معه، وممارسة الشدة والدكتاتورية على المواطنين… وأمور أخرى.. كل ذلك لا يخوله أن يكون طرفاً في أية مفاوضات يمثل المكون الكوردي في سوريا في وجهة نظر دولية، حتى وإن مارست روسيا مغازلتها معه على أنها سوف تعمل جاهدة لمشاركته في المفاوضات، إضافة إلى الرفض التركي القاطع لتمثيل حزب الإتحاد الديمقراطي، وخاصة في آسيتانة التي ستكون هي إحدى رعايا اللقاء.

ومن جهة أخرى، يرى المجلس الوطني الكوردي أنه في كل الأحوال مشارك في أية مفاوضات دولية، طالما أنه يشارك وفد المعارضة بممثليه، وبالتالي فإنه ليس بحاجة أن يتفق مع ” غريمه ” حزب الإتحاد الديمقراطي على وفد موحد قد يُكَوِنَ له مكسب آخر يضاف إلى مكاسبه الذي حصل عليه من خلال السيطرة على الأرض بقوة السلاح كحكومة أمر واقع. لكنه يفتقد إلى شرعية سياسية ودولية، وهو يحاول ( في نظر المجلس ) أن يسوق نفسه لكسب تلك الشرعية. والمجلس الوطني الكوردي يكسب شرعية دولية من خلال عضويته في الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة، وتمسكه بالورقة الكوردية في اللقاءات الدولية والدبلوماسية، لا يمكن أن يستهان بها والإفلات من يده.

ففي حالة واحدة يمكن أن يقبل مشاركة حزب الإتحاد الديمقراطي بوفد واحد مشترك، وهو قبول حزب الإتحاد الديمقراطي مشاركة المجلس الوطني الكوردي في إدارة كوردستان سوريا سياسياً وعسكرياً بما فيها الإدارة…عندها فقط يمكن الوصول إلى التوافقات المصيرية والإستراتيجية.

أعتقد أنه في ظل هذه الظروف والمعطيات لا يمكن أن يقبل حزب الإتحاد الديمقراطي قبول مطالب المجلس الوطني الكوردي، لذا أن البحث عن سبل التوافقات بين أطراف الحركة الكوردية على أرضية حصول التوافق بين الجناحين الرئيسيين للحركة ( حركة المجتمع الديمقراطي العائدة  لحزب الإتحاد الديمقراطي والمجلس الوطني الكوردي ) كمن يبحث عن إبرة وسط جبل من الرمال، الأمر الذي يجعل الكورد في حالة غياب عن أي محفل دولي، وأن حجم وطبيعة وجود ممثلين عن المجلس الوطني الكوردي ضمن وفد المعارضة وبهذه النسبة المعلنة لا يفي بالغرض المأمول.  فهل هناك بديل عن هذا البحث المستحيل؟ يجب على أطراف الحركة الكوردية أن تجاوب، كونها هي من تتحمل المسؤولية التاريخية.