أحمد قاسم يكتب| ” بين ميونخ وجنيف.. تختنق الآمال “

13 فبراير، 2016 12:47 ص 434 مشاهدة

مقال بقلم : أحمد قاسم

بالأمس تم الإتفاق في ميونخ الألمانية على المشروع المقدم من روسيا جزئياً، وكأنما سجلت روسيا بعض النقاط في طرحها للمبادرة، وحرازت تقدم نحو تحقيق أهدافها، مكتفية في هذين الأسبوعين بما حققته على الأرض من تقدم، لإستعماله على الطاولة كورقة ضغط ولفرض المشروع الذي كانت تحاول تنفيذها قبل سنتين، والذي طرحته إيران بالأساس كحل للأزمة في سوريا بمبادئه الأربعة المعروفة وهي ( محاربة الإرهاب، تشكيل حكومة وحدة وطنية، إعادة صياغة دستور جديد، ومن ثم إجراء إنتخابات تشريعية) وذلك ريثما تظهر نتائج حربها ضد المعارضة في حلب وشمالها بشكل جلي، وكذلك الهروب من الإدانة التي تلاحقها من قبل المجتمع الدولي على أنها تحارب المعارضة المعتدلة وتقصف المدنيين تحت ذريعة محاربة الإرهاب، دفاعاً عن النظام في دمشق.

لكن، لو أجرينا مراجعة شاملة لمواقف روسيا منذ بدء الأزمة، وقارناها مع الموقف الأمريكي كدولتين كبيرتين تقودان الإدارة سياسياً وعسكرياً لما تجري من حرب طاحنة على أرض سوريا (بالوكالة) تجرد من قيادتها وإدارتها كل من النظام والمعارضة على حدٍ سواء، لاستنتجنا بشكل جلي النتائج التالية :
على الصعيد الروسي، نرى بأنها وعلى مدى ما يقارب من خمسة أعوام تحاول جاهدة وبكل قواها العسكرية والدبلوماسية الإبقاء على النظام مع ترقيعه بمشاركة الحكومة من قبل المعارضة، التي يراها النظام على أنها معارضة ” وطنية شريفة ” كالتي حضرت إلى جنيف بمجموعات مختلفة، تبينت فيما بعد على أنها تدافع عن النظام أكثر من النظام من خلال عقد مؤتمرات صحفية، والتي تحاول روسيا إشراكها في المفاوضات إلى جانب الوفد المنبثق من مؤتمر رياض.. وكذلك إصرارها على أن بشار الأسد يجب أن يكون جزءً من الحل وليس خارجه، كونه يمثل الشرعية التي يمكن أن نخاطبها كمركز للقرار بعكس المعارضة المشتتة التي لا تمتلك قرار الحرب والسلام، بل إنما هي عاجزة عن فرض قرار على كتيبة مسلحة على الأرض حسب إدعاءاتها ليل نهار..

وفي الآونة الأخيرة، وبعد حضورها المباشر عسكرياً على الأرض السورية بحجة محاربة الإرهاب، اكتسبت المزيد من القوة في تمثيلها للنظام والإقرار عنها في كل شاردة وواردة من خلال تنصيب نفسها (الوكيل الحصري للنظام) في الحرب وفي السلام.. واستنتاجاً لمواقفها المعلنة تبين على أنها تفاوض المجتمع الدولي على الأرض، وتحاول أن تفرض السلام الذي تراها هي وليس السلام المنشود من قبل الشعب السوري والمعارضة وحتى المجتمع الدولي.. السلام الذي تراه روسيا، هو الإستسلام على الأرض وعلى طاولة المفاوضات بقبول مشرعها المطروح في ميونخ، وأن وقف إطلاق النار وفتح المعابر لإيصال المساعدات للمحتاجين من المحاصرين من الشعب السوري، إلى جانب قبول المجتمع الدولي بمعارضيها التي يقبل بها النظام من أجل التفاوض .

أعتقد إنها محاولة أخرى لإفشال التفاوض والإنتقال إلى مرحلة أخرى قد تحقق فيها مكاسب أخرى لطالما أنها تمتلك من القوة على الأرض للقضاء على المعارضة الحقيقية للنظام.. أما تباكيها وإمتثالها على أنها تريد إشراك الكورد في المفاوضات بشخصية حزب الإتحاد الديمقراطي، وأنه لايمكن أن تنجح المفاوضات بدون هذا الحزب، فهي تريد من ورائها زيادة أسهمها في المعارضة وتقوية أجنداتها من خلال إشراك حزب الإتحاد الديمقراطي من جهة، ومن جهة ثانية تحاول خدع الكورد على أنها مع حقوقه في سوريا القادمة..

لو كانت صادقة فيما تصرح به، عليها الضغط على قيادة هذا الحزب كونها حليفتها لتشكيل وفد موحد من القوى الكوردية يمثل بشكل حقيقي إرادة الشعب الكوردي وحقوقه المشروعة، وليكون وفداً مستقلاً على طاولة المفاوضات، لا أن يكون تحت مظلة سياسية للمعارضات الأخرى.
أما أمريكياً، أرى بأن الولايات المتحدة الأمريكية تتعامل مع الأزمة في سوريا بحذر شديد وحساسية دقيقة.. وذلك إنطلاقاً من تجربتها في العراق أولاً.. والأهم من ذلك، هو فقدان المعارضة لمركز القرار الذي يجب أن يكون هذا المركز محل ثقة المجتمع الدولي، ومخاطباً عن إرادة الشعب السوري وممثلاً حقيقياً للثورة على الأرض ومالكاً لقرار الحرب والسلم.

إن فقدان المعارضة لكل هذه الخصائص المهمة، تفقد في ذلك ثقة داعميها، وخاصة بعد أن انتشرت تنظيمات إرهابية مخيفة على المساحة السورية على حساب كتائب الجيش الحر، وفي مقدمة تلك التنظيمات ( جبهة النصرة والدولة الإسلامية في العراق والشام ) مع التطورات المخيفة التي حصلت على الأرض لتلغي “داعش” الحدود بين سوريا والعراق وتفرض وضعاً مربكاً وخطيراً إقليمياً ودولياً.

لذلك ولحسابات خاصة لمصالحها إتبعت أمريكا سياسة ( إدارة الأزمة ) من دون الإقتحام فيها كما تفعلها روسيا. وذلك من خلال التعامل مع كل الوقائع على الأرض، ومع كل القوى التي تتصارع وتتحارب. إدارة الأزمة وليس إنهائها، لطالما حسم المعركة ليست في صالحها ولا في صالح قوى المعارضة المعتدلة، كون هذه المعارضة ليست موحدة وهي ضعيفة ولا تمتلك قوة مسلحة توازي القوتين الأخريين ( قوات التنظيمات الإرهابية وقوات النظام ).

لذلك فهي تؤكد على أن الحسم العسكري إن حصل اليوم فسيكون إما لصالح النظام وهذا ما لا تحبذه أمريكا، أو لصالح الإرهاب فتكون كارثية على المنطقة والعالم.. وإنطلاقاً مما سبق إختارت أمريكا سياسة إدارة الأزمة من دون إنهائها إلى أن يحين الوقت لكسر تلك المعادلة التي ليست لصالح السوريين ولا لصالح أمريكا. أما الدول الإقليمية فهي الأخرى مترعبة من القادم المجهول على المنطقة، فهي تتخبط في تناقضاتها التي في جوهرها تسيء إلى (الثورة) إن جاز التعبير إلى الآن أن نسمي التفاعلات التي تجري في سوريا على أنها ( حالة ثورية ) كما في البدايات.
في المحصلة، نستطيع القول، أن السلام المنشود بعيد المنال لطالما الواقع يؤكد ذلك، كون الدولتين الكبريين لا تتفقان على ذلك. فواحدة تضغط باتجاه حسم المعركة عسكرياً والإبقاء على النظام، والآخرة تدير الأزمة لطالما أنه من غير مسموح لها التدخل العسكري المباشر على الأرض. والحلف الدولي لمحاربة الإرهاب هو أيضاً في أهدافه إدارة الأزمة لطالما أن القتال من الجو لا يحسم المعركة مع الإرهاب. حيث أن روسيا تعتبر دخول أية قوة برية إلى الأراضي السورية تحت أية ذريعة كانت ستشعل حرباً عالمية ثالثة، فهي تشير في ذلك أنها هي الحامية الشرعية لدولة سوريا لطالما طلب منها النظام (الشرعي) في دمشق الدخول ومساعدته على محاربة الإرهاب.  يبقى دخول أية قوة أخرى يتطلب قرار دولي وهذا غير ممكن لطالما ( الفيتو ) الروسي والصيني في مواجهة أي قرار دولي.

لذلك أعتقد أن تلويح المملكة السعودية بقرارها للدخول عسكرياً من البر لمحاربة داعش غير ممكن بدون توافق دولي. أعتقد بأن الأزمة في سوريا ستتفاعل أكثر إشتعالاً لإنتاج كارثة إنسانية أكثر مأساة، قد تدفع بالمجتمع الدولي إلى إتخاذ خيارات أكثر جدية، وإقناع روسيا بأن ما تفعله بسوريا تجاوزت حدود المقبول بها إنسانياً و شرعياً و قانونياً.

أحمــــــد قاســـــــم

12\2\2016

 



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *