أحمد قاسم | يكتب “تـــــــركيا تستعيد أنفاسها”… ولكن؟

18 يوليو، 2016 10:26 م 406 مشاهدة
الكاتب الكردي احمد قاسم

مقال بقلم : أحمد قاسم

محطة مهمة مرت عليها تركيا من خلال مواجهتها لعملية الإنقلاب الفاشلة ( المفيدة للديمقراطية ).. ليس أردوغان وحزبه من أفشل الإنقلاب. بل إنما توحد الشعب التركي ضد عسكرة البلاد هو من أفشل محاولة الإنقلاب.. مع وحدة الموقف بين المعارضات السياسية لحكومة أردوغان، وكل المعارضات “بما فيهم الكرد الذين يواجهون نيران الحرب في إقليمهم بأمر من الحكومة”، رأت أن الديمقراطية أصبحت في خطر، وتجاوزت المعارضة خلافاتها مع الحكومة لينددوا بالإنقلاب.

محطة مهمة، كان إمتحان للشعب التركي مع التطور التاريخي وتلاحمه بمنطق العصر عبر تجاربه مع المتغيرات والتبدلات في أنماط الحكم.. بالأمس ومن خلال ثلاثة إنقلابات عسكرية في البلاد ذاق الشعب ” الأمَرَيْن ” في العهود الثلاثة مع العسكر، ليعود ويسحب أنفاسه من جديد مع حكومات مدنية عقب كل إنقلاب.. وبالتالي تكون لديه تجربة تراكمية مع الإنقلابات المتكررة والتي لم تجلب للشعب إلا مزيداً من الفقر والمعانات وتقليص فرص العمل والإنحصار ضمن مربع أمني تحكمه الأحكام العرفية.

وفي حقيقة الأمر، ومنذ إنتهاء مرحلة الحرب الباردة وإنهيار الإتحاد السوفياتي في بداية التسعينيات من القرن الماضي، إستطاعت تركيا أن تخطو خطوات متسارعة باتجاه النمو الإقتصادي مع إنفتاحها لتلك الجمهوريات السوفياتية التي إنفكت عن السوفيات وهي تفتقد إلى أغلبية الحاجيات الشخصية للإنسان من الملبس والمأكل، كونها لم تمتلك أية صناعات غذائية وكذلك صناعة الألبسة وأساسيات المنزل. حيث رأت الحكومات التركية (المدنية) ضالتها في تلك الجمهوريات لتكون سوقاً مربحاً لصناعاتها المختلفة من جهة، ومناطق ترى فيها فرص عمل لمواطنيها هناك، وبالتالي إتبعت سياسة الإنفتاح وتسهيل عملية التصدير من منتجاتها الصناعية مع دعم الإنتاج التصديري, إلى جانب تسهيل عمليات سفر مواطنيها إلى تلك الجمهوريات للعمل.. وتنشيط سياسة السياحة في البلد من خلال تأمين الخدمات للسائح وتسهيل تحركاته في البلد مع إنتهاج نوع من المنافسة في الأسعار السياحية التشجيعية.. كل ذلك كان كافياً أن يكتسب المواطن التركي تلك المعرفة التي تلقاها مع سياسات الحكومات المدنية، وتلك التي عانى منها في ظل الحكومات العسكرية، وخاصة مرحلة حكم كنعان إيفرين الجنرال المعروف بشدته من عام 1980 إلى عام 1987 كان كافياً أن يتخذ الشعب التركي موقفاً من حكومة العسكر.

بغض النظر عن ما قدمت حكومات العدالة والتنمية من خدمات لتركيا ومواطنيه في جميع مجالات الحياة, فإن تلك الحكومات جلبت إستقراراً أمنياً وإقتصادياً للبلاد.. ولولا بقاء القضية الكوردية من دون حل لكانت تركيا من الدول المتقدمة جداً في شرقنا الأوسطي الكبير, ولكانت من الدول الفاعلة والمؤثرة جداً في حتمية التطور التاريخي لشعوب المنطقة بأسرها.

إلا أن بقاء هذه القضية بعيداً عن الحل يعرض تركيا للإرهاصات والإنتكاسات من جهة, ومن جهة أخرى تخلق هذه القضية ثغرة لتدخلات إقليمية ودولية للنيل من موقع تركيا وتطورها الإقتصادي والأمني. وهذا ما يؤكد على أن تركيا ستبقى في حالة ضعف مهما طالها التطور والقوة، إن لم تتقدم بشكل جدي باتجاه إيجاد صيغة توافقية لحل هذه القضية التي عجزت كل آلات العسكر لحلها بالقوة.

مرة ثانية أقول وأعتقد، أن قوة تركيا, وأمنها مرتبط بشكل فاعل بمدى مصداقيتها في تعاملها مع قضية شعب يشكل ربع سكان تركيا ” من حيث النسمة والجغرافيا ” وإن تعنت حكومات تركيا أمام حل هذه القضية وجعلها مصدراً لأزماتها الأمنية وحتى الإقتصادية تترك مجالاً لتدخلات خارجية لضرب مصادر قوتها.. ولا يمكن أن يبقى شعب قوامه أكثر من عشرين مليوناً يقيم على أرضه مهمشاً وغير معترف من قبل الدولة بهويته القومية وحقوقه المشروعة.. وأن إعتبار حزب العمال الكوردستاني حزباً إرهابياً وجعله حجة لترك هذه القضية بدون حل, أعتقد أنه ضرب من الخطيئة بحق هذا البلد المترامي الأطراف قبل أن تكون الخطيئة بحق الشعب الكوردي وحقوقه القومية.. ولا يمكن أن يُعْتَبَر حزب غير قابل للحوار معه من أجل إيجاد صيغة سلمية لحل قضية بهذا الحجم ” وإن كان كذلك, وهل من غير الممكن أن ترى بديلاً له وسط شعب بهذا الحجم؟ “..

أعتقد أن الحكومات التركية المتعاقبة لم تقتنع حتى اللحظة بحسم هذه القضية سلمياً, وستتعرض تركيا إلى مخاطر قد تكون كارثية, حتى وإن كان شعبها ميالاً للديمقراطية ورافضاً لحكم العسكر.
يبقى في النهاية أن الشعب التركي حتى الآن لم يمتلك ثقافة التعايش والتشارك مع غيره من الشعوب, كونه تَثَقَفَ ثقافة الإستعلاء على الغير من خلال ( المدرسة الكمالية ) التي اعتبرت تركيا للشعب التركي مع رفض مشاركة الغير في إدارتها, واعتبار الشعوب الأخرى في المستوى الدوني ” يجب تتريكهم أو إنتزاعهم وصهرهم بشكل جذري “. حيث لا زالت هذه الثقافة تسيطر على الفكر التركي, لذا يجب أن يتخلى عنها ويقبل بالواقع الذي لا يمكن إزالته. وإن بقاء الواقع في مواجهة تلك الثقافة يشكل بركاناً خامداً, وأي حالة تؤدي إلى تنشيطه سينفجر وقد يحرق البلد بأكمله في ظروف إستثنائية قد تكون خارجة عن السيطرة كما نراها في العديد من البلدان ” وسوريا مثل حي أمام الأعين ” نراها كيف تحترق وتدمر من دون أن نرى لها آفاقاً للحل بعد خمس سنوات من حرب مجنونة.

إذاً, قد نجح الشعب التركي مع أحزابه في إفشال إنقلاب عسكري، إلا أن إمتحانه الأقوى في تدخله المباشر لحل قضية إخوته من الكورد الذين أسسوا معهم هذا البلاد. واليوم يعانون من شدة سياسة إستثنائية تتنكر لهم حقوقهم. ولا نخفي في أن إنفراجاً قد حصل مؤخراً بعد تسلم حزب العدالة والتنمية زمام الحكم تجاه الأزمة, إلا أن ذلك الإنفراج لم يشكل أرضية للحل إلى اللحظة في ظل نشوب الحرب مؤخراً بين الحكومة وقوات حزب العمال الكوردستاني, والتي أدت إلى تدمير مدن وقرى وتهجير ما يقارب المليون نسمة من أهل تلك المناطق عدا عن الضحايا بالمئات فإن لم نقل بالآلاف.

صحيح, أن الشعب بكامله من الكورد والترك والمكونات الأخرى وقف ضد العسكر في محاولته الإنقلابية, ولكن الوطنية الحقيقية تفرض عليه أن يقول كلمته تجاه هذه القضية أيضاً ويدفع بالحكومة ﻹيجاد صيغة توافقية لحل القضية بشكل سلمي بعيداً عن إستعمال العنف.. عندها فقط يكتمل دور الشعب في قراره لإدارة الدولة, وعندها فقط ستكون تركيا بأكملها في أيدٍ آمنة.



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *