أحمد قاسم يكتب | حلب لن تكون نهاية للثورة…وقد تكون البداية

29 نوفمبر، 2016 10:30 م 542 مشاهدة
أحمد قاسم

مقال بقلم : أحمد قاسم

سقطت مدينة حلب وسط جهنم من النيران الكثيفة لطيران الروس وطيران النظام، مع حصار “المقاومين” من كل الجهات ومنع إيصال المساعدات إليهم، وكأن حلب هي نهاية الحسم العسكري لكلا الجانبين.

خمسة أعوام من القتل والتدمير والتشريد وسط تخبطات دولية في عمق “الوحل” السوري كساحة مفتوحة لكل الإحتمالات مع سيطرة التنظيمات الإرهابية على الفعل الثوري الذي قام به الشباب المتحمس من السوريين ضد نظام أغلق عليهم كل المنافذ التي قد يرون من خلاله مستقبلهم المشرق ويحلمون بالغد الذي يؤمن مستقبلهم في حضن وطن دافيء يحميهم من المجهول المخيف.

تلك التنظيمات من المؤكد تم استحضارها من قبل النظام عندما فشلت شبيحته في إرهاب الثائرين وإركاعهم، ليبين للناس جميعاً وللمجتمع الدولي، بأنه هوالأرحم على الشعب السوري من ممارسات تلك التنظيمات.. أي بمعنى آخر، “أن البديل الحتمي للنظام في حال إسقاطه ستكون تلك المنظمات الإرهابية التي تقطع رؤوس الناس وتعلق على الأسوار وعواميد الساحات “.

لذلك، ومن خلال حشر المجتمع الدولي في زاوية مرعبة تطل تلك المنظمات الإرهابية من خلالها برؤوسهم المشمئزة والمخيفة، توحي بأنها هي البديل المؤكد للنظام في حال سقوطه، لطالما أن المعارضة السياسية فشلت في إدارة القوات على الأرض، ولطالما أن القوات المسلحة من الجيش الحر ( الطليعة الثورية المسلحة ) قد تقلصت قواتها إلى حد لا يمكن الإعتماد عليها في الحرب ضد النظام بعد أن تعاظم عود الإرهاب وطغت التنظيمات الإرهابية على ثلثي المساحة في سوريا مع إزالة الحدود بين سوريا والعراق من قبل ما يسمي بـ” تنظيم دولة العراق والشام ـ داعش ـ واستيلائه على الموصل ومن ثم مدينة الرقة وامتداداته على كل الأطراف “.

كان ولا بد للمجتمع الدولي أن يتعاطى مع الواقع المؤلم الذي خلق مالم يتوقعه أحد، حيث تمددت هذه التنظيمات مع تشكيلاتها المتعددة على هذه المساحة الواسعة من سوريا والعراق لتشكل خطراً حقيقياً على الجوار الإقليمي، ومن ثم المجتمع الدولي بشكل عام بعد أن حصلت على موارد هائلة من المال والعتاد من موصل واستثمار آبار النفط لتمويل حربها من أجل الحرب، ولأجل خلط الأوراق والقضاء على كل شيء يرتبط بـ (الثورة السورية )، وهي في حقيقة الأمر بعيدة كل البعد عن مشروع إقامة دولة إسلامية كما تدعي.

فالتنظيم خلّف أعداداً لايمكن تخيله من القتلى والجرحى، بالإضافة لعمليات التهجير القسري، وذلك إلى جانب الحرب المعلنة من قبل النظام ضد الثوار والمعارضة تحت شعار محاربة الإرهاب وبدعم واضح وفج من قبل روسيا وإيران عسكرياً ومالياً ولوجستياً، مع رفض أية مبادرة دولية تهدف إلى وقف الحرب والإتفاق على الحل السلمي بين المعارضة والنظام.

التنظيم دمّر مدن بأكملها مع تهجير نصف سكان سوريا، إلى جانب إستمرارية التطهير العرقي والتغيير الديمغرافي للسكان في جميع مناطق سوريا، وذلك للوصول إلى حالة تقسيم للبلاد في حالة إستحالة القضاء على المعارضة والثورة، والبقاء للنظام القائم في دمشق

المجتمع الدولي عجز عن مواجهة تلك القوات المتعاظمة من الإرهابيين، وذلك مع عجز المعارضة و ( الثوار ) على الإثبات بأنهم بحجم التمثيل الحقيقي للشعب السوري لعدم إمتلاكهم رؤية سياسية شاملة كـ “مشروع وطني” يلملم كافة مكونات الشعب السوري حوله. لا بل بعكس ذلك، تمرغت المعارضة أيضاً في أوحال تلك الكتائب الإسلامية المسلحة التي ادعت على أنها ضد النظام، لكن في حقيقة الأمر أن تلك الكتائب كانت ولا تزال تسيء إلى الثورة وسمعتها، وبالتالي فقدت المعارضة بكلا جناحيها السياسية والعسكرية ثقة الشعب بمصداقيتها مع فقدان الأمل في إنتصارها على النظام، هذا إن لم نتطرق إلى المال السياسي الذي كان الجانب الذي لايقل أهمية من الجوانب السلبية الأخرى والذي أدى إلى تشويه العمل الثوري ودفع الثورة باتجاه لا يمكن أن يكون إلا إنكسارات أمام إنتصارات التنظيمات الإرهابية وقوات النظام.

كان من المفروض على القيادة السياسية للثورة أن تتعامل مع من يحمل السلاح بحذر شديد، وتفرز الكتائب المسلحة عن بعضها البعض من هي من الجيش الحر الذي يمكن دعمه وتأييده، وأي الكتائب إرهابية والتي يجب محاربتها بالحد الذي يمكن محاربة النظام.

في هذا المجال تتحمل المعارضة السياسية القسط الأكبر من مسئولية فشل الثورة، كونها هي من كانت تؤمن الدعم المالي والعتاد الحربي لتلك الكتائب في الداخل.. ومع الأسف الشديد كانت حصة الإرهابيين أضعاف مضاعفة من الدعم عن حصة الجيش الحر، وبالتالي غالبية عناصر الجيش الحر إما تخلى عن الثورة أو التحق بالكتائب الإسلامية “هرباً من الجوع”، و التي كانت ولا تزال تعمل ضد حقيقة الثورة السورية.

ومع كل التطورات السياسية والعسكرية، أعتقد أن خسارة ” الجيش الحر ” في أية بقعة من بقاع سوريا لا تشكل خسارة للثورة مع الخلل الكبير في التوازنات. وأن الثورة لا يمكن أن تنتهي مع سقوط مدينة، ولا تنتصر نهائياً مع تحرير مدينة أخرى. ﻷن حقيقة الثورة وجوهرها الفكري والعقائدي يكمن في قلوب السوريين وفي فكرهم الذي يؤكد بعدم قبولهم للرجوع إلى ما قبل إندلاع الثورة. وأن كل هذه التضحيات هي ثمن للتغيير الذي نادى به الثوار، والذي كان يبتغيه الشعب السوري منذ عشرات السنين.

التغيير الذي يوصل بسوريا إلى دولة مؤسسات تحترم حقوق الإنسان وتحافظ على مصلحة الشعب وتأمين الحد الأدنى من العيش بكرامة، دولة لكل مكونات الشعب السوري ( القومية والدينية والمذهبية ) لطالما أن الشعب السوري يتجاوز مكون قومي أو طائفي، فإنه فسيفساء من القوميات والطوائف، وبالتالي يجب أن تشعر كل قومية أو طائفة بأنها مسؤولة عن هذه الدولة من خلال مشاركتها بالقرار السياسي، وكل مؤسسات الدولة التشريعية والتنفيذية والقضائية تناسباً مع وجودها وبخصوصيتها التي من الضرورة بمكان أن تكون جزءاً مؤسساً لحضارة سوريا، هي خاضعة للسيادة الدستورية للبلاد.

الثورة السورية بدأت في أواسط آذار 2011، ولا يمكن أن تنتهي الثورة أو تنكسر، طالما أن الثورة هي نتاج فكر وتطور تاريخي لتطلعات الإنسان إلى إحتياجاته الحياتية من أجل مواكبة الحياة الثقافية والعلمية والإقتصادية والإجتماعية بما فيها السيادية، من خلال ممارسة سياسة تؤمن آليات وأدوات تمكن المجتمع لمواكبة العصر الذي ينتفي فيه الإستبداد والظلم وحرمان الإنسان من حقوقه وحرياته العامة.

عندما يستطيع النظام تجريد مسلح من سلاحه، فهذا لا يعني أنه استسلم طالما يحمل في عقله بذور الثورة للتغيير. وعندما ينتزع النظام مدينة ألهبت نار الثورة من ساكنيها، فهذا لا يعني أنه انتزع من فكر ساكنيها أحلامهم، وبالتالي ستستمر الثورة بصورة أو بأخرى، إلتزاماً بقاعدة إستخدام الممكن الذي يؤدي به نحو الإنتصار.

فالثورة التي لا تمتلك مبادراة خلاقة لا يمكن أن نسميها بالثورة. والشعب الذي استطاع أن يقدم كل هذه التضحيات من أجل الحرية والكرامة، فلا بد له أن يمتلك مبادراة خلاقة وبالتالي سيستمر بالثورة حتى الإنتصار.. ومع تأكيدي على أن سقوط حلب بيد النظام لا يعني نهاية للثورة، وقد تكون بداياتها، بعد أن إنكشفت كل العورات، وظهرت كل أدوات النظام ومن معه، وكذلك دوافع الدول الإقليمية إلى السطح، ولا بد من أن يغير الثوار من مبادراتهم الثورية لإستمرار الثورة بعد القضاء النهائي على كل التنظيمات الإرهابية بتعاون ودعم من التحالف الدولي ضد الإرهاب، بمن فيهم تلك التي تظاهرت على أنها ضد النظام فخانت الثورة. ولقد أكدت الحقائق التاريخية بأن ” الثورة التي تصقل بتجارب مريرة، تمتلك إنتصارات ساحقة لا يمكن الإنقلاب عليها ” فهاهي الثورة السورية في مرحلة الصقل الثوري لتمتلك شروط الإنتصار، ولتنتصر”.
—————————
أحمــــــد قاســـــــم
28\11\2016