أحمد قاسم يكتب: ليس للسوري إلا الأمل في المفقود

23 فبراير، 2017 9:08 ص 445 مشاهدة
أحمد قاسم

كتب: أحمد قاسم

 

تتضارب المواقف وتختلف الرؤى وسط سحب سوداء غطت على البلاد منذ ما يقارب من ستة أعوام, وعملية القتل والتدمير والتهجير لم تتوقف على خلفية إعلان ما سميت ( بثورة الحرية والكرامة ) والذي اندلعت في 15\3\2011.

لم يتجاوب النظام مع مطالب الشعب منذ اليوم الأول من إنتفاضة الشعب, فاستغلها العديد مِنْ مَنْ أرادوا إستغلال الحدث ولغايات ومآرب مختلفة, تدخلوا واندمجوا وقادوا الحراك باتجاه ونحوٍ ما يخدم مصالحهم في ظل إتباع النظام سياسة أمنية وعسكرية لحل إندلاع ما سميت بالأزمة ” حسب توصيف النظام ” واستغلال الإرهابيين لهذه الأزمة للنيل من موقع سوريا الوطني و ” المقاوم ” كما إدعى النظام ويدعي حتى اليوم.

إستغلالاً لهذا الظرف تحركت القوى الإقليمية باتجاه الداخل السوري وحركت أجنداتها كلٌ حسب ما تقتضي مصالحها من خلال تأجيج الصراع وإدارة الأزمة باتجاه ما تطمح إليه. وبالتالي, خُلِقَت بيئة صالحة لجذب الإرهاب وتنظيماته المختلفة, وليكون عنواناً لحرب دولية على الساحة السورية فيما مضى.

لذلك, أضحت الأزمة في سوريا لتكون قضية دولية بامتياز من خلال سيطرة التنظيمات الإرهابية على المشهد السوري والتضييق على المعارضة والجيش الحر الذي تشكل من الجنود والضباط المنشقين عن الجيش السوري بهدف الدفاع عن الثورة وأهدافها, وكذلك الإمتداد إلى الجانب الإقليمي والتأثير على أمن وإستقرار الدول المجاورة لسوريا, وربط الأزمة في سوريا مع الأزمة في العراق من خلال التدخل الإيراني الواضح وتحريك ميليشياتها اللبنانية والعراقية والأفغانية عوضاً عن اللواء 65 من جيشها النظامي وكتائب من الحرس الثوري, مما أتاحت الفرصة للتدخلات الدولية عسكرياً بهدف محاربة الإرهاب, إضافة إلى التدخل الروسي العسكري إلى جانب النظام ضد المعارضة.

مع هذه التدخلات الدولية وإنتشار تنظيمات إرهابية على المساحة الواسعة من سوريا, إلى جانب حرب غير نظيفة التي أعلنها النظام على المعارضة وإتهامها بالإرهاب, إضافة إلى تشتيت المعارضة السياسية وغياب مشروعها السياسي, طغت على المشهد الصورة الواضحة التي تجلت بأن الحرب الدائرة في سوريا هي حرب طائفية أعلنتها الإرهاب السني ضد العلويين إنتقاماً من المظالم التي يلحقها النظام بالطائفة السنية من منطلق طائفي.

هذا المشهد أصبح مخيفاً لدى بقية المكونات من الشعب السوري, مما أدى إلى إنكماش كل مكون لحالته وخصوصيته من منطلق الدفاع عن النفس ومحاولة منه النأي بالنفس من كل ما تجري من أحداث في البلد عدا المكون الكوردي الذي تحرك وبعجالة لأخذ موقف من ما يحدث. وبالتالي إنقسم الكورد بين حالة النأي مع عدم معارضة النظام وبالتنسيق مع المحور الإيراني, وبين الإنخراط في المعارضة السورية وتبني سياسة الإئتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية من خلال الإتفاق والتوقيع على وثيقة تتبنى من خلالها المعارضة لحقوق الكورد حسب مواثيق وقوانين الدولية.

لكن, مع كل ذلك يبدو أن الأزمة خرجت من أيدي السوريين, لتلعب دول ذات ثقل في المنطقة, وكذلك تلك التي تدير السياسات الدولية على المستوى الدولي العام, ليتشكل منها محورين متنافسان في إدارة دفة الأزمة في سوريا:

المحور الأول : المحور الروسي الذي وقف إلى جانب النظام بكل قوته السياسية والدبلوماسية والعسكرية, تسانده في ذلك كل من إيران والصين وكوريا الشمالية, إضافة إلى العديد من التنظيمات الميليشاوية التي أسرعت ودخلت إلى سوريا لتحارب إلى جانب النظام ضد المعارضة..

المحور الثاني : المحور الأمريكي الذي وقف إلى جانب المعارضة سياساً ودبلوماسياً مع دعمٍ محددٍ ومرتبك بالأسلحة الخفيفة والمال إلى حدود المقاومة وعدم تمكينها لحسم المعركة لصالح الثورة بحجة أن الدعم المفتوح للمعارضة المسلحة بالأسلحة الإستراتيجية قد تستفيد منها التنظيمات الإرهابية, وبالتالي ستكون خطراً على الأمن والسلامة الإقليميين, وستنعكس سلباً على الأمن الدولي بشكل عام. مما خلق خلل في التوازن بين قوات النظام التي تحصل على كافة أنواع الأسلحة المدمرة والفتاكة من حلفائها, وقوات المعارضة التي لاتحصل إلا على الأسلحة الفردية التي تعجز عن المقاومة.

مع هذا الخلل في المجال العسكري, عجز المجتمع الدولي عن وقف الحرب واللجوء إلى حل سياسي للأزمة ( لتمسك النظام في دمشق بالحل العسكري لطالما أن المعارضة محجوبة عنها الأسلحة الإستراتيجية ), وعدد القتلى في تزايد مستمر وكذلك تدمير المدن وتدفق اللاجئين إلى دول الجوار, ومن ثم إلى أوروبا عن طريق البحار. مما خلق أزمة أخرى ( سميت بأزمة اللاجئين ) والتي خلقت كارثة إنسانية إلى جانب جرائم الحرب المستمرة على الأرض السورية. كل ذلك أفقد ثقة السوريين بأية محاولة دولية لإنقاذ سوريا بعد أن أيقن السوريون بأن النظام لن يسقط عسكرياً مع وجود هذا الخلل في القوة والعتاد. وبالتالي تَشَكل في ذهنيتهم حقيقة سقوط الشعب والوطن.. مما دفعتهم نحو الهجرة واللجوء خوفاً من مصير أكثر سوءاً وسواداً.

جاء مؤتمر جنيف الأول الفاشل, والثاني الذي لم يحدث أي تغيير, والثالث الذي أقر من خلاله تشكيل تحالف دولي لمحاربة الإرهاب, وذلك إستجابة لمطالبة وفد النظام بذلك, وكان أيضاً مسحوباً بالفشل في نظر الشعب السوري.. وغداً في 23\2\2017 سيكون اللقاء الرابع بين المعارضة والنظام في جنيف على أمل أن يحصل تقدم في المجال الأمني بعد لقائين في آستانة الكازاغستانية بين النظام والمعارضة المسلحة لوقف الحرب بين الطرفين على مستوى سوريا برعاية ( روسية وتركية وإيرانية ) وقد فشل أيضاً.

وغداً, يحاول ( ديميستورا ) المبعوث الأممي أن يزرع الأمل للسوريين من جديد عبر حراكه المكوكي الذي لايتجاوز عملية حراك ( من يطحن الهواء ) قد ينتج خبزاً… هذا ما يعتقده كل سوري من خلال تجربته لستة سنوات من الحرب المدمرة, وهو مسلوب الإرادة في البحث وإيجاد الحلول, وبعيد عن مصادر القرار, حيث هناك من الدول الفاعلة لإدارة الأزمة, وكذلك إمساكها بقرار الحرب والسلم, ولم يبقى للشعب السوري إلا أن يكون وقوداً لإستمرارية الحريق… وبالتالي يتأمل بما هو مفقود قد يأتي من دون حساب.

جنيف رقم4, غير جنيف رقم3, وذلك لكون المعارضة في هذه المرة مختلفة عن المعارضة في السابق. حيث المنصات الثلاث ( رياض وموسكو والقاهرة ) كل لها مشروع يختلف عن المشروع الآخر, ولا يمكن التوافق بينهم, كون تلك المنصات كل تؤتمر بإمرة أجندة تختلف في مصالحها عن أجندة الآخرين وبالتالي قد تصطدم ببعضهما البعض ولا تنتج إلا مزيداً من الخلافات لصالح مشاريع النظام, وبالتالي, يكون لقاء جنيف4 نكسة أخرى في قلب السوريين, ولذلك, فالسوريون يعتقدون هذه المرة ” المفقود لايأتي, واللعبة الدولية مستمرة على رقعة مغمسة بالدم السوري, تتحمل المعارضة كما النظام مسؤولية الجريمة, والمجتمع الدولي خارج محيطه الأخلاقي والإنسائي تجاه مأساته “.

 



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *