أحمد قاسم يكتب: منعطف تاريخي في السياسة الأمريكية

21 مايو، 2017 9:12 ص 450 مشاهدة
لعنة التاريخ أم المجد الأبدي

 

كتب: أحمد قاسم

 

سيظل يوم الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001 يوماً مشهوداً في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية والعالم, فالدقائق التي اختطفت فيها الطائرات المدنية واصطدمت ببرجي مركز التجارة العالمي وجزء من مبنى وزارة الدفاع والأيام الأولى, للحدث كلها أوقات ووقائع لاتنسى.

ومنذ ذلك التاريخ والحدث عملت الولايات المتحدة مع شركائها في المنطقة الإسلامية بجدية لتشكيل إطار عسكري وأمني وكذلك على مستوى الفكر والمعرفة لمحاربة الإرهاب, والعمل على إجتثاث منابعه الفكرية والإقتصادية, إلا أن وعلى ما يبدو كان موقف الشركاء في المنطقة ليس بالمستوى المطلوب, وهذا ما أكدته نتائج عملية تحرير العراق من الطاغية صدام حسين ونظامه الإرهابي, والذي كان أكبر الممولين للإرهاب, حيث أضحت أن تكون العراق بعد تحريرها من الإستبداد ساحة مفتوحة للإرهاب وجاذبة للإرهابيين في مواجهة التواجد الأمريكي في العراق. والمؤسف, أنه كان موقف شركاء أمريكا من الأنظمة الحاكمة في المنطقة العربية والإسلامية مساعدة للإرهاب ظناً منها أن أي تغيير في العراق باتجاه ” الديمقراطية ” يعني ذلك بمثابة عملية تحريضية لشعوب المنطقة ضد الأنظمة الحاكمة التي لاتعير أية إهتمام بحقوق الإنسان وحقه في الحياة.. وبالتالي, بقيت القوات الأمريكية في العراق وكأنها قوات ” إحتلال وليست تحرير ” استوجبت محاربتها وتحرير العراق من تلك القوات ..

 

ومع إنزال العلم الأمريكي في حفل أقيم في مطار بغداد, وذلك في 18 ديسمبر 2011 بمناسبة إنسحاب القوات الأمريكية وتسليم المسؤوليات إلى السلطات العراقية بعد قرابة تسعة أعوام من عملية التحرير.. بدأ المحللون العسكريون والسياسيون الأمريكيون عملية تقييم لتلك ” المغامرة الأمريكية ” (حسب وصفهم) في بلاد الرافدين التي خسرت خلالها الولايات المتحدة 4474 قتيلاً و   33ألف جريح حسب الأرقام الرسمية وأنفقت حوالي ترليون دولار.. فلم تحقق أمريكا من هذه العملية إلا ” هزيمة إستراتيجية ونهاية لهيمنة قوة عظمى ” حسب وصف المحللين والأنظمة الحاكمة في المنطقة “.. لذلك شعرت الولايات المتحدة في حقيقة الأمر نتيجة عمليتها ” بالهزيمة والخاسرة “.. وأثارت جدالاً واسعاً في أروقة الإدارة الأمريكية, وخصوصاً بين الديمقراطيين والجمهوريين.

 

لكن السؤال الذي يجب طرحه, ماذا أنتج العراقيون بعد إنسحاب القوات الأمريكية وتسليم إدارة العراق إلى العراقيين غير التدخل الإيراني بشكل أوسع في الشأن العراق الداخلي, وتعميق الشرق المذهبي بين الشيعة والسنة.. حتى أن تحديد الشخصية التي يجب أن يكون رئيساً للوزراء يجب أن يأخذ الموافقة من ولاية الفقية وبمباركته, إضافة إلى إستمرارية الحرب الأهلية والتي أودت بحياة ما يقارب مليون عراقي وتهجير الملايين؟

 

من المؤكد أن الولايات المتحدة الأمريكية إنسحبت من المنطقة ” مخيبة للآمال ” من جهة أصدقائها من الأنظمة الحاكمة.. واتخذت موقفاً بعدم التدخل العسكري في أية منطقة من الشرق الأوسط عسكرياً هرباً من تكرار تجربتها في العراق, والتي كشفت عن نوايا الحقيقية للشعوب والأنظمة معاً تجاه الولايات المتحدة, وبالتالي, رأت أن ترك المنطقة بحالها مع تحريك الأنشطة المدنية التي بدأت تتفاعل على المستوى الإجتماعي والسياسي ودعمها بصورة غير مباشرة خير طريق للتغيير لطالما أن التدخل العسكري يشكل جرحاً في مشاعر المجتمع, وبالتالي يؤدي إلى ردود فعل عكسية وتنتج في النهاية إلى المزيد من الأعمال الإرهابية, وخاصة أن غالبية الأنظمة الحاكمة والمستبدة في المنطقة ترى إستمراريتها مع وجود الإرهاب بعد تجربة العراق.. وتأكدت من ذلك نتيجة للتصريحات والبيانات الصادرة من النخب الديمقراطية في المنطقة التي كانت تؤكد على رفضها لأي تدخل خارجي, وذلك هرباً من النتائج المدمرة التي حصلت في العراق بعد سقوط صدام حسين, وذلك من دون تشخيص الحالة بعمق ودراية حقيقة للأسباب التي كانت ورائها إيران وسوريا مع صمت الجوار الإقليمي إلى أن تمددت إيران في المنطقة بشكل مخيف وأصبحت أكبر دولة راعية للإرهاب خدمة لتمرير مشروعها الطائفي المدمر للمنطقة.

 

ونتيجة لإستمرارية الأزمة والحرب المدمرة في سوريا مع عدم التدخل الأمريكي, وتصاعد الدور الإيراني التي أضحت أن تكون هي من تدير الأزمة والحرب معاً مستفيدة من الدور الروسي منذ البداية دبلوماسياً ومن ثم عسكرياً ضد الثورة السورية, وعجز المجتمع الدولي أخذ الدور كما يجب لوقف القتال في سوريا للوصول إلى الحلول السياسية.. مشهد إن استمر يكاد أن يؤدي إلى إنهيار المنظومة الدولية في المنطقة برمتها, وينتج حالة قد لايمكن مواجهتها والدور الإيراني في تصاعد مستمر يهدد المصالح الدولية في المنطقة.. مما أنتج حالة من اليأس لدى الدول ما سميت بالصديقة لولايات المتحدة مثل ( مصر والسعودية إلى جانب الدول الخليجية وكذلك تركيا ).. ومع إصابة حالة اليأس لهذه الدول تتحرك روسيا لخطفها من الولايات المتحدة متظاهرة من خلال تدخلها في سوريا على أنها لاتزال هي الدولة القوية في العالم ولها دور مؤثر في إدارة الأزمات في مواجهة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط والعالم العربي والإسلامي.. وخصوصاً مع إدارتها للقاءات ( آسيتانة ) تهدف من خلالها خطف الأزمة من المظلة الدولية ومجلس الأمن وجعلها رهينة لتحقيق مصالحها في سوريا والمنطقة. وأن مشاركة تركيا لإنجاح الدور الروسي شكلت خطراً إضافياً على مستقبل سوريا والمنطقة بعد أن توترت العلاقات التركية الأمريكية على خلفية دعمها للقوات الكوردية في سوريا وكذلك عدم التجاوب الأمريكي مع مطالبتها لـ( فتح الله غولين ) المتهم لدى تركيا على أنه كان المدبر الرئيسي لعملية الإنقلاب الفاشل في 15 تموز من العام الفائت.

 

كل هذا التطورات ألقت بظلالها على الإدارة الأمريكية مؤخراً من جهة, ومن جهة أخرى, رأت السعودية أن إستمرار الحالة على هذا المنوال تشكل خطورة حقيقية على مستقبل الخليج برمتها, فكان لابد من تحرك إحترازي في مواجهة التيار الذي قد يدمر المنطقة, فكانت السعودية هي من بادرت بأكثر جدية من خلال فتح الحديث مع الولايات المتحدة بعد إستلام الإدارة الجديدة مهامها, وتوضيح حقيقة ما تجري في المنطقة من مخاطر حقيقية ستعصف بمصالح الإقليمية والدولية, وخاصة أن إنتاج الطاقة وإيصالها إلى الأسواق سيواجه حرباً من الجانب الإيراني من خلال تحريض التنظيمات الإرهابية لتهديد البواخر الناقلة وكذلك الممرات المائية في اليمن والخليج التين تسيطران على ممرين مائيين مهمين وهما ( باب المندب و مضيق هرمز ).. إلى جانب التحريض المستمر في إشاعة الخلافات المذهبية.. كل ذلك على ما يبدو أن المملكة السعودية أبدت إستعدادها للتعاون مع الولايات المتحدة على جميع الصعد للعمل سوية من أجل إجراء تغيير جوهري في المنطقة والقضاء على مجمل المشاكل والأزمات إلى جانب مساعدة شعوب المنطقة للحصول على حرياتها في تحديد مصيرها بعيداً عن الظلم والإستبداد كإجراء فعلي للقضاء على منابع الإرهاب وأسباب إنتشاره..

 

فهل نستطيع أن نقول أن الولايات المتحدة أمام حقبة تاريخية مختلفة, وأنها اليوم أصبحت أكثر إستعداداً لقيادة العالم كما يدعي رئيسها الجديد ( دونالد ترامب ) وهو في زيارته ” التاريخية ” إلى السعودية كما يصفون, وسيوضح سياساته تجاه المنطقة والعالم من خلال لقائه المميز مع قادة دول الخليج وكذلك سيرأس ” باسم المشاركة ” قمة العالم العربي والإسلامي.

 

أعتقد أننا أمام حقبة جديدة من السياسة الأمريكية في المنطقة, لنرى في الأيام والأسابيع القادمة خطوطها الرئيسية التي تهم شعوب المنطقة, ولكن, هل نستطيع أن نقول بأن الدور الإيراني سيواجه صعوبات حقيقية قد تؤدي إلى متغيرات تاريخية, وكذلك الدور الروسي المدمر في سوريا هل سيتغير مع توضيح السياسة الأمريكية تجاه المنطقة والعالم؟

 

 



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *