أحمد قاسم يكتب | “من شبّ على شيء شاب عليه”

2 أكتوبر، 2016 11:06 م 629 مشاهدة
أحمد قاسم

مقال بقلم : أحمد قاسم

قضية الشعب السوري لا تشبه في تفاصيلها قضية أي شعب على جغرافية هذا الكون، يبدو أنه قد تم خلقه من لدن أصحاب الخبرة في تدجين الإنسان حتى ولو بشكل قهري، وإن شد عليه الوجع يضل طريقه إلى التخفيف من مصادر ذلك الوجع.

تدجين الشعب السوري تم بدراية فائقة لعلم الإنسان وصناعته، بحيث يستطيع وفي أحلك الظروف “العض” على الجراح ظناً منه أنه  الطريق إلى الحفظ على الكرامات، وما الحرية إلا شيء من الفوضى تنتقص من سيادته على نفسه، كون سيادة الدولة تنبعث من سيادة القائد، وبالتالي الفرد سيد نفسه مع إنتمائه للقائد، والذي يعني “الإنتماء إلى الوطن”.

قضية الشعب السوري وكأنها بدأت مع استلام البعث للحكم، حيث أضحى هذا الحزب كمدرسة أو مركز تربية لصناعة فكر وسلوك لكل فرد في المجتمع، متجاوزاً كل القيم المتراكمة عبر التاريخ، لتحل محلها قيم وسلوك وآداب صنعها أهل الخبرة من أجل ضمان مستقبل هذا الحزب ومن يقوده عبر مراحل تاريخية مختلفة، مع حسابهم لكل طارئ أو أزمة اجتماعية كانت أو سياسية أو إقتصادية.. لتبقى الزمرة الحاكمة هي الأقوى في أشد الأزمات من خلال تشتيت القوى الإجتماعية من جهة، وتفريق مكونات الشعب عن بعضها عبر صناعة أزمة الثقة فيما بينها من جهة أخرى، إضافة إلى ذلك، صناعة جيش من الفساد والمفسدين في سلك الدولة ليكون مدرسة لباقي المجتمع على قاعدة ( الشاطر يدبر حالو ).

بقي الجانبان الروحي والنزعة القومية اللذين كانا لا بد منهما ليكون جامعاً، يجتمع حوله المجتمع السوري إنطلاقاً من مبدأ الإلتزام بقضية ترتبط بالقضايا العامة وقضية الإنسان نفسه، فأبدع باختطاف القضية الفلسطينية وإعتبارها القضية الأهم التي ترتبط بها مصير الإنسان العربي وكل مسلم، حيث عمل على هذه القضية بحنكة، حتى أن اعتبر نفسه الممثل الحقيقي لهذه القضية ومن دونه لا يمكن حلها وإن اجتمعت عليها كل الدول العربية، حيث اللقاء الأخير بين الأسد الأب والرئيس الأمريكي بيل كلينتون في أوائل عام 2000 في جنيف يثبت ذلك.. مع التأكيد على مقولة وزير خارجية أمريكا ( كيسينجر ) عام 1988 بعد إتفاقية كامب ديفد بين مصر وإسرائيل، حيث قال: من اليوم فصاعداً لن نرى حرباً شاملة بين العرب والإسرائيليين بدون مصر، وكذلك لا يمكن أن نصنع السلام بدون سوريا، فأصبحت قضية فلسطين سيفاً على رقاب المواطنين السوريين، تستعمل عند الحاجة ضد كل من يفكر بالحرية ليكون متهماً على أنه عميل إسرائيلي، وبالتالي يغيب عن الأنظار إلى الأبد.

لقد كانت حقبة حافظ الأسد هي حقبة صناعة الإنسان السوري، وكذلك صناعة الجيش العقائدي وفقاً لمفهومه وفلسفته الهادفة إلى تحطيم الإنسان السوري وبنيته الإجتماعية من خلال الإكثار من المنظمات وإرتباطها إرتباطاً وثيقاً بشخصيته إلى حد عزل الإنسان من محيطه العائلي، بحيث يصبح أشد إرتباطاً بمصدره وارداته، ويجي أن يحصل عليهما بأي شكل من الأشكال.. وذلك إلى أن أصبح الفساد والكسب الغير مشروع أهم السمات في الحركة الإقتصادية للمجتمع السوري ( من رشوة وتهريب وإحتيال على أعمال التجارة الخارجية من تصدير واستيراد وربط ذلك بمافيا المحمية، وأعمال الربى ـ الفائدة الغير منضبطة….. ) مقابل ذلك التدني في مستوى معيشة الإنسان السوري، حيث تسمح له الظروف الإمتهان لتلك الأعمال من كسب غير مشروع.

أما موضوع الفكر الحر وحرية الرأي والعمل السياسي أصبح شيء مضحك لدى السوريين، ونوع من الجنون والإنتحار في ظل ظروف تصحرت فيها المعرفة والتطور المعرفي مع التطور التاريخي الحتمي لدى المجتمعات. حتى أن التطور التاريخي للمعرفة كان غائباً لدى المجتمع السوري في ظل البعث الذي حكم من خلال بناء شبكة واسعة من الأجهزة الأمنية المنتشرة بين المجتمع لترهيب الناس وترغيبه بالإرتباط بأحد أجهزة المخابرات لحماية نفسه وتأمين لقمة العيش لأبنائه.

كل ذلك كان حاضراً مع غياب الوعي الفكري لدى غالبية المجتمع السوري، كون المجتمع بغالبيتة أصبح مداناً عند صحوة الضمير ومنكسراً على ذاته عندما يراجع نفسه وأعماله يرى في حقيقة الأمر على أنه شريك للجريمة التي قام ويقوم بها حزب البعث العربي الإشتراكي. ومع إنكسار الذات والتشتت الحاصل في المجتمع استحال بناء قوة مترابطة متماسكة تقوم بعمل ثوري ضد الحالة الإنكسارية للمجتمع في ظل وجود هذه القوى الأمنية المتمسكة بخناق الشعب.

ومع إندلاع ( ثورة الحرية والكرامة ) تحركت القوى الشبابية التي لم تتلوث أيديها بأعمال الفساد، وذلك ضد من أفسد المجتمع، ليصحوا الفاسدين من المجتمع وما أكثرهم، ويتحركوا بين صفوة الجماهير من الشباب إلى أن أفسدوا الثورة والناشطين من خلال توجيههم نحو المال السياسي الذي غير إتجاه الثورة وبالتالي ” أضحت الثورة كتجارة صنعت تجاراً مع إرغام الثورة الذهاب نحو التسلح، وذلك دفعاً من النظام .

هذا النظام الذي هو نفسه بنى الإنسان السوري كما أراد، ولا يصعب عليه كيف يوجهه حتى في حالة ثورة تقام ضده، إلا أن المال السياسي الذي ورد من قوى إقليمية مع إختيار النظام الحل الأمني ضد الحراك الشبابي، تشكلت معارضة سياسية لإستثمار تلك الأموال، وذلك في غالبيتها من أناس كانوا يعيشون في الخارج، وعن طريق إستثمار تلك الأموال تم التواصل مع الداخل ودعم كل مجموعة تختار عمل المقاومة المسلحة ضد النظام، إلى أن فقد النظام السيطرة على مساحات شاسعة من البلاد مع تدفق قوى إرهابية وتشكل قوى مختلفة الأهداف والمآرب.

من هنا فقد النظام إرادته لإدارة المعركة لتستسلم لإرادة مناصريه من الحكومة الإيرانية والروسية وحزب الله اللبناني والعديد من منظمات غير قانونية تعمل كمافيا مأجورة، مقابل تلك القوى المسلحة من الجيش الحر والكتائب المختلفة المسلحة بدعم دولي وإقليمي، لكن ما يهمنا هو المجتمع السوري الذي فقد وحدته وتماسكه في مدرسة البعث هو الأساس الموضوعي الذي أدى إلى إفتقاد الإنطلاقة الثورية في بداياتها لأرضية متينة منها “إجتماعية وثقافية وإقتصادية وفكرية”، مما أدى إلى تشرذم الحراك الثوري بعد التسلح، كون الحراك الشبابي تفاجأ بحالة عدم إنسجام مجتمعي والذي يشكل ضرورة لإستمرارية الثورة، إلى جانب عدم قدرة الشباب على تأسيس قيادة سياسية على مستوى الحدث الثوري، وبذلك كان التشتت محصلة الحراك الثوري، وبالتالي فقد الشعب السوري إرادته مع تدخلات دولية بشكل أو بآخر.

المنتج الموضوعي مع الحالة السورية الراهنة أصبح في يد الدول النافذة، مع إستحالة وحدة إرادة المعارضة التي في غالبيتها أسيرة لإرادة دولية. ولكي نكون منصفين في تحليل الحالة، فإن الحركة السياسية الكوردية شريكة بشكل تفصيلي مع الحالة السورية العامة، وبالتالي لا يمكن أن توحد صفوفها، وهي بالنتيجة خاضعة أيضاً للإرادة الدولية من دون أن تكون صانعة لفعل يحقق لشعبها طموحاته في الحرية وتقرير المصير بمعزل عن الإرادة الدولية مع غياب التوافق بين مكونات الشعب السوري في نهاية المطاف.
——————
أحمــــــد قاســـــــم
21\9\2016