أميركا الجديدة … في السعودية الجديدة!

29 مارس، 2014 1:12 ص 183 مشاهدة

Kher

ليست هناك أميركا جديدة فقط، أميركا باراك أوباما. هناك أيضا المملكة العربية السعودية الجديدة.

عندما يزور باراك أوباما الرياض ليقابل الملك عبدالله بن عبدالعزيز، سيكون اللقاء بين أميركا الجديدة والسعودية الجديدة التي أقدمت خلال الأشهر القليلة الماضية على سلسلة من الخطوات يستدلّ منها أنها طلقّت الى حد كبير سياسات الماضي التي كانت تتّسم بالتحرّك بحياء وخفر مع الملفّات المطروحة في المنطقة… وما أكثرها.

ليس سرّا أن ما فرض على السعودية التخلي عن سياسات كانت تتبعها في الماضي هو أميركا – باراك أوباما التي خرجت بوضوح عن اطار معيّن يتمثّل في المحافظة على صداقتها التقليدية بالمملكة من دون أن يعني ذلك أن العلاقات بين البلدين لم تمرّ في بعض الاحيان بأزمات.

يكمن الفارق بين الأزمة الراهنة التي تمرّ بها العلاقات بين الرياض وواشنطن وأزمات الماضي في أن الأزمة الحالية استمرّت طويلا وما زالت تتفاعل. انها أزمة مرتبطة بشخص أوباما الذي لا يزال أمامه سنتان ونصف السنة في البيت الابيض.

هناك بكلّ بساطة ادارة أميركية وضعت نصب عينيها التوصّل الى اتفاق مع ايران في شأن ملفّها النووي من دون أن تأخذ في الاعتبار السلوك الايراني على الصعيد الإقليمي. هذا السلوك الايراني هو الذي يهمّ العرب عموما والمملكة العربية السعودية خصوصا أكثر بكثير من الملف النووي الذي لا يمكن الاعتراض عليه من حيث المبدأ.

سيحاول أوباما اقناع الملك عبدالله بأن الاتفاق النووي بين مجموعة «5+1» وهو عمليا اتفاق أميركي- ايراني يخدم دول المنطقة على رأسها السعودية. هذا صحيح الى حدّ كبير، خصوصا في حال ساهم الاتفاق في ابعاد شبح سباق التسلح في الشرق الاوسط، خصوصا في مجال امتلاك اسلحة الدمار الشامل. كذلك، سيؤكّد الرئيس الاميركي لخادم الحرمين الشريفين أن أميركا ملتزمة أمن دول الخليج وأنها ستظل تعتمد، مع حلفائها، على نفط المنطقة في السنوات الثلاثين المقبلة، وذلك بغض النظر عن زيادة انتاج النفط الصخري في الولايات المتحدة نفسها.

سيسمع العاهل السعودي، على الأرجح، كلاما جميلا عن مدى اهتمام الولايات المتحدة بالعلاقات الخاصة التي تربطها بالسعودية منذ أيام الملك عبدالعزيز. لكنّ ذلك لن يحول دون طرح الجانب السعودي سلسلة من الاسئلة في شأن السياسة الاميركية عموما بدءا بسورية وانتهاء باليمن. ما الموقف الأميركي من الأزمة السورية مثلا؟ لماذا هذا الاصرار الأميركي على السماح لايران بالذهاب بعيدا في التدخل في الشؤون السورية بما سيؤدي عاجلا أم آجلا الى تفتيت هذا البلد العربي وزيادة حدّة الانقسامات المذهبية التي أججها وضع اليد الايرانية على جزء من العراق، بما في ذلك بغداد؟

كيف تسمح الولايات المتحدة لروسيا بتسليح النظام السوري بكثافة من دون أن تنبس ببنت شفة، فيما تستخدم هذه الاسلحة في تدمير المدن والبلدات السورية والقضاء على الشعب السوري؟

هناك عشرات الاسئلة الأخرى التي يمكن طرحها على أوباما. في مقدّم هذه الاسئلة ما الذي حلّ بـ «خطوطه الحمر» التي وضعها للنظام السوري الذي استخدم السلاح الكيماوي لقتل السوريين؟

هل ساهمت سياسة التعاون مع روسيا في ايجاد مخرج من الأزمة السورية في وقف آلة القتل التي تموّلها ايران التي ترسل مقاتلين لبنانيين وعراقيين لقتل السوريين من منطلق مذهبي بحت؟ هل ساهم هذا التعاون في منع روسيا من تقسيم أوكرانيا وضمّ جزء منها؟

لن تحتاج السعودية الى طرح أسئلة عن الدور الايراني في اليمن حيث تنشأ، بواسطة الحوثيين، دولة موالية كلّيا للجمهورية الاسلامية في ايران على الحدود السعودية؟

ماذا عن البحرين؟ وماذا عن العراق؟ وماذا عن لبنان؟

ما تمرّ به العلاقات الاميركية- السعودية لا سابق له. لقد فرضت السياسة الاميركية على المملكة تحدّيات قرّرت التصدي لها. على رأس هذه التحديات التحدّي المصري. لو تُركت مصر للاخوان المسلمين الذين حظوا بتأييد أميركي، لكانت مصر صارت في خبر كان. دعمت السعودية مصر في وقت تردّدت ادارة أوباما في تأييد ثورة شعبية عارمة ارادت وقف الانهيار المصري الذي كان الاخوان المسلمون يسيرون في اتجاهه ويسعون اليه بخطى ثابتة.

تسمّي السعودية الجديدة الاشياء باسمائها. تصف تنظيمات اسلامية متطرفة، بينها تنظيم الاخوان، بأنها «ارهابية». السعودية الجديدة لا تسكت عندما يهاجمها شخص مثل رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي. انها تعرف جيّدا أن المالكي صوت ايراني لا أكثر. لا تسكت السعودية أيضا عندما تتحامل روسيا عليها، من دون أن يعني ذلك أنها لم ترتكب في الماضي أخطاء من نوع دعم حركات اسلامية، من بينها الاخوان، ما لبثت أن انقلبت عليها.

من الصعب على ادارة مثل ادارة أوباما التفاهم مع السعودية. انها ادارة مختلفة عن كلّ الادارات السابقة، باستثناء ادارة جيمي كارتر ربّما.

يتوقّع أن تكون المشكلة الاكبر التي ستواجه الحوار السعودي- الاميركي عدم قدرة أوباما على المقاربة الشاملة لمشاكل الشرق الاوسط. في النهاية لا يمكن اختزال هذه المشاكل بالملفّ النووي الايراني ولا يمكن في الوقت نفسه اقناع العرب بجدّية واشنطن بمجرّد أنّها مهتمة بايجاد تسوية بين الفلسطينيين والاسرائيليين.

أخرجت ادارة أوباما السعودية من ثيابها لا أكثر ولا أقلّ. تجد المملكة نفسها مضطرة لاعتماد سياسات جديدة تبدو مفروضة عليها فرضا. عليها التعاطي مع ادارة أميركية تبدو مقتنعة بأنّ في استطاعتها تقاسم النفوذ في الشرق الاوسط مع ايران. انها بالفعل أميركا الجديدة التي لا تريد الاعتراف لا بالخطر الايراني المتمثل في استخدام الغرائز المذهبية لممارسة سياسة في اساسها فكرة الهيمنة، ولا في ما يمثّله الاخوان المسلمون الذين يوفرون الحاضنة المثالية للحركات المتطرفة من المحيط الى الخليج.

هل في الامكان، في مناسبة زيارة أوباما للرياض، ايجاد قواسم مشتركة بين أميركا الجديدة والسعودية الجديدة، التي كشّرت على غير عادتها، عن أنيابها؟

بقلم: خير الله خير الله

مواضيع ذات صلة



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *