إبراهيم أبراش يكتب | وعد بلفور : ملابسات صدوره وإستراتيجية مواجهته

2 نوفمبر، 2016 9:51 م 666 مشاهدة
وعد بلفور

مقال بقلم : إبراهيم أبراش

بعد مرور 99 سنة على ذكرى وعد بلفور يحتاج الأمر لتجديد قراءته حيث تعودنا في كل ذكرى لهذا الوعد أن نصب جام غضبنا على بريطانيا واللورد بلفور، واعتبرنا واسترحنا إلى تفسير بأن دولة إسرائيل قامت بسبب هذا الوعد، متجاهلين أسباب الوعد ، والظروف والملابسات التاريخية في النصف الأول من القرن العشرين والتي تزامنت مع صدور الوعد، والأهم من ذلك دور العامل أو الشرط اليهودي الذاتي في قيام دولة إسرائيل والتقصير الرسمي العربي والإسلامي في مواجهته .

دولة إسرائيل قامت نتيجة إلتقاء مصالح حركة صهيونية توراتية صاعدة تؤمن بفكرة الوطن اليهودي في فلسطين مع مصالح استعمارية طامعة في المنطقة العربية، وقامت دولة إسرائيل وتوسعت نتيجة تخطيط وجهد يهودي صهيوني لا يكل مقابل تخاذل رسمي عربي إن لم يكن تواطؤ.

لا شك أن بريطانيا الانتدابية عملت كل ما من شأنها لتطبيق وعد بلفور ولكن عدم جدية الأنظمة والحركات العربية والإسلامية المتواجدة آنذاك بل وتخاذل بعضها سهل المأمورية على بريطانيا وعلى الحركة الصهيونية للهيمنة على فلسطين، كما أن استمرار التخاذل العربي بعد صدور الوعد وأثناء حرب 48 وما بعدها جعل دولة إسرائيل ما هي عليه اليوم.

وعد آرثر بلفور لم يكن الوعد الوحيد الذي منح بمقتضاه من لا يملك لمن لا يستحق، فقد سبق وعد بلفور وتلاه وعود كثيرة.

فإن تجاوزنا خرافة وعد (الرب) لليهود بأن يمنحهم فلسطين، هناك وعد نابليون بونابرت اليهود بأن يقيم لهم دولتهم الموعودة في فلسطين إن ساعدوه في حملته العسكرية وكان آنذاك يستعد لتوجيه حملة عسكرية للشرق 1798 ، وفي عام 1907 وفي مسعى محموم من بريطانيا الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس لتثبيت نفوذها العالمي صدر تقرير كامبل بنرمان وهو رئيس وزراء بريطانيا آنذاك، حيث أوصى بتقسيم العالم العربي إلى مشرق ومغرب وإسكان اليهود في الجسر الرابط بينهما ، هذا التقرير جاء بعد عشرة أعوام من المؤتمر الصهيوني الأول في بال بسويسرا وقبل عشرة أعوام من وعد بلفور .

عوامل واتفاقات متعددة تزامنت مع صدور وعد بلفور في نوفمبر 1917 وصيرورته دولة بالفعل بعد ثلاثين عاما، وكلها ذا علاقة بتفاهمات واتفاقات الحرب العالمية الأولى، وفي هذا السياق وبداية ما كانت تقوم دولة إسرائيل آنذاك لو انهزمت بريطانيا وفرنسا في مواجهة الامبراطوريتين العثمانية والألمانية، أيضا ما كانت تكون دولة إسرائيل لو كانت نتائج الحرب العالمية الثانية معاكسة .

نعتقد أن وعد بلفور الذي أسس لدولة إسرائيل لم يكن فقط الوعد الذي أصدره أرثر بلفور في الثاني من نوفمبر 1917  بل حزمة من الاتفاقات والتفاهمات المرتبطة بهذا الوعد.

1-    وعد بلفور وسايكس – بيكو

لا يمكن أن نفصل وعد بلفور عام 1917 عن اتفاقية سايكس – بيكو 1916 وهي الاتفاقية التي قسمت المناطق العربية التي كانت خاضعة للإمبراطورية العثمانية بين فرنسا وبريطانيا وأوجدت للعرب كيانات سياسية هزيلة خاضعة للاستعمار شغلتهم عن مواجهة الخطر الصهيوني، وقد صور ساطع الحصري ما آلت إليه الأوضاع العربية بعد سايكس – بيكو  بقوله ” فهذا فلسطيني يعتبر الصهيونية أول ما يجب أن يهتم به من مشاكل، وذلك سوري يرى في أطماع فرنسا أكبر الأطماع والأخطار التي تهدد قضيته، وذاك عراقي يقول بوجوب الثورة ضد الإنكليز أولاً “.

2-    وعد بلفور ومحادثات حسين – مكماهون

لم يكن التخاذل والتواطؤ من الأوروبيين فقط بل كان من العرب أيضاً. فخلال عام 1915 وما بعده جرت محادثات أو تفاهمات بين الشريف حسين والي مكة آنذاك وقائد الثورة العربية على الأتراك من جانب والبريطاني مكماهون في نفس العام . ففي الفترة الأولى من قيام الثورة أوضح الشريف حسين مطالب الحركة القومية العربية في رسالة بعثها إلى السيد هنري مكماهون. ونظراً لسياسة بريطانيا المتسمة بالمماطلة والغموض و المعادية لطموحات العرب، فقد رد مكماهون على مطالب الشريف حسين لبريطانيا بالتعهد باستقلال العرب بالموافقة على شرط استثناء فلسطين، وكان تفسير بريطانيا لذلك، أنه لا يمكن أن يقال أن هذه المنطقة عربية تماماً.

الحركة الصهيونية وبريطانيا فسرتا الاستثناء المشار إليه في مراسلات حسين – مكماهون بأنه موافقة ضمنية من العرب على استثناء فلسطين من المناطق المطالب باستقلالها.

أثيرت المسألة من جديد مع تدهور الأوضاع في فلسطين، إثر الصدمات التي وقعت في عام 1929 – انتفاضة البراق – بين شعب فلسطين والحركة الصهيونية، ففي التاسع من كانون الأول / ديسمبر 1929، وأثناء بحث المسألة الفلسطينية في لندن، أعلن المستر شليز وكيل وزارة المستعمرات أن فلسطين لم تكن مشمولة بالوعد الذي قطعته بريطانيا للشريف حسين.

3-   وعد بلفور واتفاقية فيصل – وايزمان

ما عزز من الرأي الذي يتهم الشريف حسين بالتقصير تجاه شعب فلسطين موقف ابنه فيصل، ففي أثناء وجود فيصل في باريس 1919 اجتمع في كانون الثاني / يناير من نفس العام مع الصهيوني وايزمان، بوساطة بريطانيا، وحسبما هو ثابت في محاضر اللقاء تعهد فيصل بتوثيق التعاون مع الحركة الصهيونية وفتح باب الهجرة أمام اليهود، واعترافه بوعد بلفور. وفي تصريح لتشرشل في 11/7/1922 -كان آنذاك وزيراً للمستعمرات – أكد أن فلسطين كانت مستثناة من تعهدات الحكومة البريطانية للعرب بالاستقلال وادعى بأن فيصل بن الشريف حسين كان قد اتفق  أثناء مباحثاته مع البريطانيين عام 1921 على ذلك.

وقد حاول فيصل تبرير موقفه هذا بالحالة النفسية التي كان يعيشها وحيداً محاصراً في أوروبا , وبالضغوط التي مارستها عليه بريطانيا , وخداع لورنس له !.

4-    وعد بلفور والانتداب البريطاني

إعلان بريطانيا وفرنسا كدولتين منتدبتين على الأقاليم التي تحتلانها، حيث أعلن مجلس السلام الأعلى في نيسان / ابريل عام 1920 هذا القرار دون الرجوع إلى رغبات وأماني الشعوب. وعلى أثر ذلك قامت بريطانيا بممارسة صلاحيتها على فلسطين، وقد ذكر هربرت صموئيل المندوب السامي الذي نصبته بريطانيا في فلسطين أوائل تموز / يوليو 1920 إن مهمته هي ” اتخاذ التدابير لضمان إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين بالتدريج “.

5-    العامل الذاتي اليهود في نجاح وعد بلفور

صحيح أن وعد بلفور شجع اليهود على الهجرة إلى فلسطين وخصوصا أن بريطانيا التي وعدت اليهود احتلت فلسطين، وكلفت عصبة الأمم المتحدة بريطانيا بالانتداب على فلسطين، وصحيح أن وضع العرب خلال الربع الأول من القرن العشرين لم يكن من القوة بحيث يقف في وجه الهجرة اليهودية والمخططات الاستعمارية بل كان متواطئا أحيانا، ولكن صحيح أيضا أن اليهود لم يركنوا فقط إلى وعد بلفور بل بذلوا جهودا ذاتية كبيرة ليحققوا حلمهم بقيام دولة إسرائيل، فالاستيطان بدأ في فلسطين قبل وعد بلفور، ومنذ العشرينيات نظم اليهود أنفسهم وأقاموا مؤسسات مثل المنظمة العمالية اليهودية ( الهستدروت) واقاموا جامعة خاصة بهم عام 1925، ونظموا انفسهم في عصابات مسلحة  كمنظمة (شتيرن) و(الهاجاناة) و (الملباخ) ، وقاموا بعمليات إرهابية ضد العرب وحتى ضد الجيش البريطاني، وبعض قادتهم صدر بحقهم احكام بالإعدام من قبل البريطانيين.

وخلال حرب 1948 دفع اليهود للحرب عددا من المقاتلين أكثر من مجموع السبع جيوش العربية التي ذهبت للقتال في فلسطين ومارسوا عمليات قتل وترويع وإرهاب بحق سكان البلاد الأصليين، وبعد الحرب وقيام دولة إسرائيل لم يُرهن الإسرائيليون أنفسهم بدولة أجنبية بعينها بل أسسوا جيشا قويا وامتلكوا السلاح النووي وخاضوا عدة حروب عدوانية على الفلسطينيين والدول العربية الخ .

إن ما نود الخلاصة إليه أن بريطانيا اخطأت بل وارتكبت جريمة إنسانية دولية بحق الشعب الفلسطيني من خلال وعد بلفور والعمل على تحقيقه على الأرض، ولكن هناك عوامل أخرى جعلت الوعد قابل للتحقيق . دولة إسرائيل قامت نتيجة وعد بلفور ونتيجة توازنات وقرارات وتفاهمات دولية ولكن أيضا نتيجة جهود صهيونية بدأت قبل أن يصدر الوعد واستمرت بعده، وبالتالي فإن دولة فلسطين لن تقوم فقط من خلال العمل الدبلوماسي ووعود و قرارات دولية أو بمطالبة بريطانيا بالتراجع عن قرارها أو الاعتذار للشعب الفلسطيني بل تحتاج لجهود ذاتية ونضال متواصل على الأرض يفرض الدولة الفلسطينية .

لم يتوانى الفلسطينيون يوما في مواجهة وعد بلفور فـ مباشرة بعد الوعد أخذوا ينظمون صفوفهم سياسياً من خلال حركة وطنية واجهت الانتداب والمستوطنين معا، فكانت هبة البراق 1929 ثم ثورة القسام 1935 وثورة 1936 والمقاومة التي قادها عبد القادر الحسيني ورفاقه، وما بعد صدمة هزيمة الجيوش العربية والتي سموها نكبة، نظم الفلسطينيون أنفسهم واستنهضوا الحالة الوطنية مجدد من خلال مجموعات صغيرة كشباب الثأر وأبطال العودة وغيرها إلى أن انطلقت الثورة الفلسطينية المعاصرة بقيادة حركة فتح ومنظمة التحرير  لتؤكد عمليا رفض وعد بلفور وحق الفلسطينيين بتحرير بلدهم والعودة إليه .

كما تحرك الفلسطينيون دبلوماسيا وعلى النطاق الدولي لتفنيد مضمون وعد بلفور وقد نجحوا نسبيا في ذلك من خلال الاعتراف المتزايد لدول العالم بحق الفلسطينيين في إقامة دولتهم على أرض فلسطين . وفي هذا السياق استحسنا مطالبة الرئيس أبو مازن يوم الثاني والعشرين من سبتمبر الماضي 2016 من بريطانيا الاعتذار للشعب الفلسطيني عن إصدارها وعد بلفور، وأن تعترف بالدولة الفلسطينية، ولاشك أن قيام دولة فلسطينية على أرض فلسطين يشكك بالمنطق والأسس التي قام عليها وعد بلفور، فقيام دولة فلسطينية على أرض فلسطين يعني إبطال مقولة إن فلسطين وطن قومي لليهود .

العمل الدبلوماسي مهم ويجب استمرار الجهود من أجل تفنيد الرواية والخطاب الصهيوني حول فلسطين، لكن دعونا نتساءل : ماذا لو اعترفت عشرات الدول بدولة فلسطينية وصدرت عشرات القرارات التي تدعوا لقيام دولة للفلسطينيين ؟ فهل ستنسحب إسرائيل وتُقام الدولة الفلسطينية تلقائيا ؟ أم سيحتاج الأمر للفعل الذاتي للشعب الفلسطيني متجسدا بكل اشكال المقاومة والمجابهة.