الأمة الديمقراطية وكأنها رسالة سماوية .. بقلم: أحمد قاسم

24 مارس، 2015 2:24 م 266 مشاهدة

مقال بقلم : أحمد قاسم

هكذا إنتظر مؤيدي حزب العمال الكوردستاني في ساحة إحتفالات نوروز بعاصمة كوردستان تركيا ( آمـــد ) وبفارغ الصبر ليسمعوا آيات أنزلت من السماء فلم يبقى لهم إلا السجود.

إنها مهزلة التاريخ الكوردي بعد كل التضحيات تقدر بأكثر من ثلاثين ألف شهيد و تدمير أكثر من أربعة آلاف قرية و تهجير الملايين إلى ميتروبولات إسطنبول و المدن الأخرى، الآلاف منهم أصبحوا متسولين ومن ضاعوا إلى الأبد كل ذلك كان قرباناً لثورة أعلنها حزب العمال الكوردستاني بقيادة عبدالله أوجلان في آب 1984 تحت شعار ( تحرير وتوحيد كوردستان) حيث كان يجاهر في كتاباته المتكررة على صفحات ( سرخوبون ) إن 20 مليون كوردي قد صدأت دماغهم بفكر مصطفى كمال وسأحاول غسل هذه الأدمغة ليكونوا أكراداً أصلاء، عندها فقط سينتصرون على ( الكولدارية والإستعمار التركي الموصوفة بالكومبرادورية).

كان خطاباته نارية يوجهها في غالبيتها إلى الحركة السياسية الكوردية في الأجزاء الأربعة من كوردستان.. وكان يتهم الحركة بالإصلاحيين البرجوازيين والمستسلمين، بينما يوصف حزبه و ثورته بالمنقذ لكوردستان.. أذكر في كتابه ( سبعة أيام مع القائد ) يشيد ببطولات الكريلا على ذرى جبال كوردستان و يبشر الكورد بانتصارات و أن القضية باتت شبه محسومة لصالح الثورة وأن الترك سينهزمون خلال أشهر.. وهكذا كان شبابنا يلتحقون بالثورة بعنفوان شديد متأثرين بتلك الخطابات والشعارات التي تهز الأبدان.. وكان حصيلة ذلك محاربة كافة الأحزاب الكوردية وبدعم واضح من الأنظمة في كل من سوريا وتركيا وإيران، وكان العشرات من خيرة كوادر تلك الأحزاب ضحية لعملياتهم التصفوية ضد الكورد على أنهم خونة و مستسلمون.

أما عن الحقوق فكان لا يتنازل عن تحرير وتوحيد كافة أجزاء كوردستان وبقوة السلاح، مدعياً بأن الترك لا يفهم إلا بالقوة. و كان يوصف الحكم الذاتي والفيدرالية بشعار ومطالب الرجعية والجبناء.. وخصوصاً قيادات الحركة في كوردستان العراق كان يوصف بالخونة والعملاء لأمريكا يستوجب تصفيتهم و القضاء عليهم.. وفي كثير من الأحيان يسميهم بالجيب العميل في الشمال كما كان يسميهم صدام حسين..

و أذكر جيداً كيف صرح عبدالله أوجلان من سجنه ضد التدخل الأمريكي في عملية تحرير العراق من دكتاتورية صدام، وناشد تركيا على أن تأخذ حذرها من سيطرة أمريكا على العراق، لأن ذلك سيشكل خطراً على أمن وسلامة تركيا… لكن أكرر و أقول: هل فعلاً كما وصف عبدالله أوجلان العقل الكوردي بعقل الفئران في أحد المناسبات على أن ليس لهم ذاكرة؟ و إلا كيف ينسون مسيرة عشرون سنة من التضحيات من أجل تحرير كوردستان، واليوم وبنفس الهيجان يصفقون لعملية إلغاء كوردستان.

إن شعار الأمة الديمقراطية وخطة طريق لتنفيذها وفق البنود العشرة المرسلة من أوجلان من سجنه، كوصايا موسى لليهود على أنها آيات من الله جائته من السماء.. وإلى اليوم يفسرون ويحللون النقاط العشرة بآلاف من المجلدات و لم ينتهوا منها.. فالأمة الديمقراطية ما تشبه وصية موسى لإسرائيل تضعنا في موقع تنسيننا القومية والوطن الذي ضحى من أجله الكورد خلال مئة عام وقدم أكثر من مليون شهيد.. أستنتج من ذلك إما كل من قاموا و نادوا بتحرير كوردستان هم مجانين، ومنهم عبدالله أوجلان في مرحلة قبل إعتقاله، و إما من يصفقون لإلغاء الوطن والهوية القومية مجانين.

الأمة الديمقراطية يا أيها الناس شعار ليس له حدود ومحددات، ولا يمكن أم يكون أمة أمةُ ديمقراطية، فالأنظمة هي من تؤسس على أسس ديمقراطية وليس الأمم.

تابعت قراءة رسالة أوجلان وسط مئات الآلاف من الناس في عاصمة كوردستان تركيا، وكتبت مقالة بمثابة قرائتي لتلك الرسالة، ولكن الملفت و المدهش إنني أدركت تماماً أن كل من سمع الرسالة لم يفهم شيئاً من مضمونه لأنها ليست لها مضمون محدد.. والغريب أن هذه المئات من الآلاف كانوا يبتهجون مع هذه الرسالة و كأنها رسالة سماوية بمثابة مفتاح للإنتصار.. و في الحقيقة أنها تشبه رسائل سماوية لأنها تتجاوز القومية والوطن!!!؟

أعتذر لأمهات الشهداء و أنحني لتلك الأرواح التي ضحت من أجل قضية إطار تحقيقها (تحرير الأمة و الوطن ).. إلا أن من استلهم بتلك الشعارات في مرحلة سابقة يبدو أنه كان لا يهدف إلى تحقيقها بل إنما حملها لتحقيق أهداف أخرى قد نفهما بعد أن نفهم ” ما هو لغز الأمة الديمقراطية” وخلفيتها الغامضة، لكنها واضحة.



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *