الإبراهيمي: المالكي أيد الأسد قلباً وقالباً وحاولت مقابلة الشرع فجوبهت بالـ..

26 يونيو، 2014 9:32 م 133 مشاهدة

4h_011117ggg06_578864_large

في هذه الحلقة يتحدث المبعوث الدولي والعربي السابق إلى سورية الأخضر الإبراهيمي عن لقاءاته بعدد من قادة دول المنطقة في إطار سعيه إلى حل سياسي في سورية. ويروي أنه طلب أكثر من مرة خلال زياراته دمشق، الاجتماع بنائب الرئيس فاروق الشرع إلا أن طلبه رفض. ولا يستبعد الإبراهيمي أن تكون تصريحات وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو قد أضرت بالشرع، خصوصاً حين طالب الأسد بتفويض نائبه صلاحياته.

وهنا نص الحلقة الثانية:

> التقيت خلال مهمتك أمير قطر السابق الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني؟

– نعم، ووجدته مقتنعاً بأن نظام (الرئيس بشار) الأسد على طريق السقوط، وأن بشار يجب أن يتنحى. كان يعتبر أن القصة ستحسم في أسابيع، أو أشهر وأنه كلما بكر الأسد في الرحيل كان ذلك أفضل، لأن الحل يبدأ بذهابه.

> تردد أن رئيس وزراء قطر حينها، وكان رئيساً للجنة الوزارية العربية التي تتابع الوضع، حمد بن جاسم اقترح على إيران حلاً ينص على أن يفوض الأسد نائبه فاروق الشرع كامل صلاحياته، وأنهم رفضوا ذلك؟

– حكي كثيراً عن هذا الموضوع، لكنني لست مطلعاً عما إذا كان عرض ذلك على الإيرانيين ورفضوه. الحقيقة أن وزير خارجية تركيا أحمد داود أوغلو دعا علناً إلى خطوة من هذا النوع، وأعتقد أن دعوته تلك أضرت بالشرع. الإيرانيون في تلك المرحلة كانوا يقولون نحن نعترف بوجود أزمة في سورية، وفيها طرفان: الحكومة والمعارضة، ونعترف أن الحل يكون باتفاق بينهما، لهذا ندعو إلى مفاوضات تنتهي بانتخابات تحدد من سيحكم البلد.

> ألم تؤيد إيران بيان «جنيف – 1»؟

– لم تكن حاضرة. لم تؤيد البيان ولم تعلن معارضتها إياه. لم تخف إيران أنها مع النظام قلباً وقالباً. لكنهم كانوا يقولون إن ذلك ليس معناه أننا نقبل كل ما يقوله النظام. وزير الخارجية الحالي محمد جواد ظريف يقول نحن نؤيد دولة عضواً في الأمم المتحدة، هل تريدوننا أن نخجل بذلك في حين تؤيد دول مجموعات إرهابية؟ طبعاً الدول الأخرى لا تؤيد مجموعات إرهابية، بل تؤيد معارضة مسلحة.

> هل التقيت المسؤولين الأتراك؟

– نعم، التقيت الرئيس عبدالله غل وهو رجل محترم وعاقل. والتقيت رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان مع بان كي مون في قمة العشرين في سانت بطرسبرغ. كان موقفه ضد النظام ويريد التغيير.

> هل كان داود أوغلو متشدداً ضد الأسد؟

– جداً. الحقيقة أنني كنت أطرح على من ألتقيهم ما يمكننا عمله، فكان بعضهم يسارع إلى السؤال متى سيمشي الأسد؟ ولك أن تتخيل صعوبة العمل في ظل تناقض المواقف الإقليمية والدولية وعمق الشرخ بين السوريين. الشيء الملفت هو أن الشيخ حمد بن خليفة والشيخ حمد بن جاسم وأردوغان وأوغلو كانوا قبل الأزمة من أقرب الناس إلى الأسد وصاروا الأشد عداء لبقائه. هذا الموضوع يدعو إلى التفكير والتعمق فيه.

> هل كان هناك برنامج «إخواني» للمنطقة؟

– لا أدري، لكن لا شك في أن الأتراك تبنوا «الإخوان» في كل مكان بما في ذلك سورية، وأعتقد أن قطر اتخذت موقفاً مشابها من دون أن أكون على اطلاع على التفاصيل القطرية. الأتراك تبنوا «الإخوان»، وكانوا على صلة بهم في تونس ومصر وسورية. والملفت أيضاً أنه في «المجلس الوطني» وفي المرحلة الأولى من «الائتلاف» حصل «الإخوان» على حصة أكبر بكثير من قوتهم الفعلية، وهذا بلا شك بفضل تأييد تركيا وقطر لهم وقد خف هذا التأييد لاحقاً.

> التقيت أيضاً الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد، كيف كان اللقاء؟

– كان اللقاء سريعاً، لأنه كان يستعد للمغادرة إلى أذربيجان. التقينا ليلاً حوالى نصف ساعة. كرر الموقف الإيراني الذي أشرت إليه سابقاً، وهو وجود أزمة في سورية وضرورة التفاوض بين الطرفين وأن تكون الكلمة في النهاية للانتخابات. هذا كان جوهر الموقف الإيراني طوال الوقت وهو تغير قليلاً الآن مع مجيء (الرئيس حسن) روحاني صاروا يتحدثون عن أخطاء ارتكبت وأن التغيير ضروري. لكن طبعاً موقف إيران على الأرض معروف تماماً. في أيام روحاني صارت صياغة الموقف الإيراني أكثر إتقاناً وبراعة.

> ألم يكن أحمدي نجاد متشدداً في صياغة موقفه الداعم للأسد؟

– قلت لك كيف كانوا يتولون عرض موقف بلادهم. وزير الخارجية كان يردد الكلام نفسه. جوهر الموقف هو التأييد الكامل للنظام، لكن التعبير عنه اليوم يتم بطريقة جديدة نسبياً.

> وهناك الموقف العراقي.

– العراق كما تعرف أطراف. نوري المالكي مع النظام (السوري) قلباً وقالباً.

> هل قدم له مساعدات؟

– أتصور أن ذلك حصل. هناك عراقيون يقاتلون إلى جانب النظام تماماً كما يفعل «حزب الله» اللبناني. إنهم أفراد ميليشيات لم تأتِ علناً باسم الدولة، لكن يصعب الاعتقاد بأن الدولة ليس لها دور في ما يقومون به.

> هل فوجئت بتدخل «حزب الله» العلني إلى جانب الأسد؟

– نعم، فوجئت لأن شرعية الحزب وخصوصاً شرعية سلاحه تأتي من وقوفه في وجه إسرائيل وهي شرعية زادت بفعل صمودهم في حرب 2006 في مواجهة إسرائيل. أن ينتقل هذا السلاح من الحدود الجنوبية للبنان إلى سورية ويخوض الحرب هناك هي مسألة ليست بسيطة وتشكل تغييراً كبيراً في دور الحزب. أنا لا أريد الخوض في انعكاسات ذلك لدى جمهور الحزب أو في لبنان.

> هل تعتقد أن مشاركة «حزب الله» والميليشيات الشيعية العراقية في القتال في سورية أعطته طابعاً طائفياً؟

– يمكن القول إنها أكدت هذا الطابع الذي كان موجوداً. هذه المشاركة الخارجية في القتال إلى جانب كل من الطرفين هي التي جعلتني أحذر باكراً من خطر انتقال النزاع إلى خارج الأراضي السورية وللأسف نشهد اليوم هذه المآسي في العراق. طبعاً الاستقطاب الطائفي على مستوى المنطقة مؤسف وشديد الخطورة ولا شك في أن النزاع في سورية ساهم في هذا الفرز وعمقه.

> من التقيت في روسيا؟

– التقيت لافروف. حين زرتها للمرة الأولى كان بوتين مريضاً.

> يقال إن لافروف مفاوض بارع!

– مفاوض بارع ومطلع. يدافع عن رأيه بقوة وثبات ويصعب أن يغير رأيه لكن التعامل معه مريح.

> هل عانت مهمتك من ذيول ما اعتبره الروس خديعة تعرضوا لها في ليبيا، وهل هذا يفسر لجوءهم المتكرر إلى الفيتو في مجلس الأمن؟

– هذه نقطة مهمة جداً، وقد تحدث عنها لافروف أكثر من مرة. أعتقد أن الدول الغربية لم تستوعب حجم الغضب الروسي مما حصل في ليبيا ولم تحاول تبديده. يقول الروس إنه كان هناك اتفاق بينهم وبين الأميركيين وصدرت تصريحات غربية رفيعة المستوى بأن الموضوع في ليبيا ليس موضوع تغيير نظام، بل هو موضوع حماية المدنيين. ويقول الروس إن القرار الذي وافقوا عليه كان واضحاً، ولا يتضمن أي دعم لتغيير النظام وإن الغربيين استخدموا القرار خلافاً لمضمونه. وكرر لافروف أن روسيا لن توافق، لا من قريب ولا من بعيد على أي قرار يمكن أن يوظف في هذا الشكل.

قلت له لماذا لا نضمّن القرار المستند إلى الفصل السابع، فقرة تنص صراحة على أن استخدام السلاح يحتاج إلى قرار جديد من مجلس الأمن، فردّ بالرفض قائلاً إن الغربيين سيجدون ألف طريقة للالتفاف على ذلك. بالنسبة إليهم أصبحت عبارة الفصل السابع حساسة وممنوعة.

> هل طلبت من لافروف ممارسة ضغوط على الأسد؟

– قال الروس: ليس من مهمتنا أن نقول للأسد أن يغادر. ثم إن نفوذنا على الرجل أقل مما يعتقد كثيرون. ذات يوم قال لافروف: نحن نفوذنا على بشار أقل من نفوذ الأميركيين على بنيامين نتانياهو. فقلت له: يا خبر اسود.

> هل فاجأك الموقف الصيني باعتماد الفيتو؟ وكيف تفسره؟

– لا لم يفاجئني. الصين حساسة في ما يتعلق بسيادة الدول. علينا أن نتذكر أن لديها مشكلة التيبت وتعتبر أن الاعتراف بالسيادة الصينية يعني عدم جواز التدخل في التيبت. لا تقبل بتأويلات لموضوع السيادة.

> هل يساعد خوف روسيا أيضاً من «الربيع الإسلامي» على شرح موقفها؟

– لا شك في أنهم اعتبروا الوضع في ليبيا سيئاً، والوضع في مصر مقلقاً، وحتى الوضع في تونس، أما سورية فهي أقرب إليهم جغرافياً. كانت قراءتهم للوضع أنه في حال سقوط النظام في سورية، فإن المؤهلين لتسلم السلطة ليسوا المنتمين إلى المعارضة المعتدلة، بل التيارات الإسلامية المتشددة. كان من السهل قراءة موقفهم هذا من طريقة تعاملهم مع الحدث.

> هل كانت أميركا ستشن حرباً على النظام السوري يوم اتهم باستخدام السلاح الكيماوي؟

– لا أدري حقيقة ماذا كان يدور في رأس الرئيس باراك أوباما. أرسل قطعاً بحرية وأطلق تهديدات. كانت القوات جاهزة، فهل كان يريد شن عمل عسكري أم دفع الضغط على الأسد إلى أقصى حد لا أعرف. سئلت أنا عن رأيي باستخدام القوة؟ فأجبت أنني أقول دائماً إن استخدام القوة يجب أن يتم بتفويض من مجلس الأمن، وهذا ما يقوله ميثاق الأمم المتحدة. هبت عاصفة من الانتقادات. لن يستأذنني أوباما إذا كان يريد شن حرب، ورأيي ليس مؤثراً لكنني أتحدث عن القانون الدولي. وقال الأمين العام للأمم المتحدة ذلك مرات عدة. كثيرون اعتقدوا بأن الضربة آتية، وستكون قاضية وينتهي الموضوع في سورية. مقالات كثيرة كتبت في هذا الاتجاه ثم جاءت الصدمة عنيفة.

> هل تعتقد أن الروس التقطوا الفرصة وحرموا الأميركيين من مبرر شن ضربة عسكرية؟

– الله أعلم. كنا في قمة العشرين في سانت بطرسبرغ في نهاية آب (أغسطس) 2013، وكان المشاركون يترقبون على مدى ثلاثة أيام موعد لقاء أوباما مع بوتين وما سيصدر عنه. لم يحصل أي لقاء. في اليوم الأخير توجه المشاركون إلى الغداء وإذ بأوباما وبوتين يقفان حوالى 20 دقيقة ويُعلن أن كيري ولافروف سيلتقيان في جنيف لبحث موضوع الكيماوي. هذا يعني أنه كانت هناك اتصالات أخرى بين الفريقين على المستوى السياسي والاستخباراتي. دعي وليد المعلم إلى موسكو وأعلن استعداد سورية لتسليم أسلحتها الكيماوية. جاء كيري ولافروف إلى جنيف واجتمعا في الإنتركونتيننتال ثم جاءا إلى مكتبي في مقر الأمم المتحدة حيث عقدنا اجتماعاً ثلاثياً.

> ماذا جرى في الاجتماع؟

– بحثنا في عقد اجتماع «جنيف – 2» العتيد. طبعاً، وهذا مضحك، هناك من أقحمني في موضوع الحل الكيماوي وهذه أمور أكبر مني بكثير. وهناك من اتهمني بأنني ساهمت في عدم حصول الضربة العسكرية. هذه مسائل تخص دولاً كبرى، ولا علاقة أو تأثير لنا بها. لم تكن لي يد، لا من قريب ولا من بعيد. قالا نريد أن نلتقي لبحث الوضع في سورية فقلت لهما غير مناسب أن يعقد اللقاء في فندق ومبنى الأمم المتحدة على بعد مئة متر فقبلا وكان اللقاء. قالا فلنحاول البحث عن حل سياسي. أعتقد أنه كان لديهما حسن نية. لكن، كان لكل منهما حسابات وحلفاء ومصالح دول وقد فشلنا في مساعدتهما على التوصل إلى حل.

> هل ورد موضوع نائب الرئيس السوري فاروق الشرع في بالك؟

– نعم، طلبت أن أقابل الشرع فقالوا لي لا.

> في أي رحلة؟

– في كل رحلة باستثناء الأخيرة. في الرحلة الأخيرة تحدثت مع الأسد. قلت له إن الرجل لا يزال نائباً للرئيس لديكم، وأنا أعرفه منذ ثلاثين سنة، ماذا سيقول الناس عني إذا لم أسلم عليه؟ فرد: لا رجاء أنت ضيف عندنا ولا داعي لذلك.

> هل فكرت في أن يلعب الشرع دوراً في المرحلة الانتقالية؟

-بكل تأكيد. يقول لافروف وأظن أن ذلك كان في شباط (فبراير) 2012 حين ذهب إلى الأسد وشدد على ضرورة أن تجرى مفاوضات، إن الأسد رد بأن فاروق الشرع يقود المفاوضات باسمي. ويقول لافروف إنه في تلك المرحلة كانت المعارضة تعتبر نفسها منتصرة ولم تكن مهتمة بالتفاوض، لا مع الشرع ولا مع غيره.

> لكنك تحدثت هاتفياً مع الشرع.

– هو كلمني أو قالوا له أن يكلمني. أنا احتججت بشدة وقلت لهم أنا سأتصل به. كلمني قبل أن أتصل به. أفهمت الشرع بوجود معارضة للقائنا وقلت له هل تحب أن آتي إليك فأنا مستعد، وإذا كنت تحب أن تأتي إلي فأهلاً بك يمكن أيضاً أن نلتقي لدى صديق. لم يعاود الاتصال ولم أحاول أن أحرجه.

> ما هي معلوماتك عن استخدام السلاح الكيماوي في سورية؟

– شكلت الأمم المتحدة لجنة للتحقيق في ما جرى في خان العسل، وهذا كان قبل آب. الحكومة السورية طلبت من الأمين العام إجراء تحقيق وتجاوب. طلب من اللجنة أن تتأكد مما إذا كان السلاح الكيماوي قد استخدم من دون أن يطلب منها التحقيق في هوية الجهة التي استخدمته. البريطانيون والفرنسيون دعوا إلى التحقيق في حالات أخرى. النظام رفض وقال نحن دعوناكم من أجل خان العسل. لم يحصل اتفاق على زيارة اللجنة إلا قبيل 21 آب 2013، حين تسارعت الأنباء عن استخدام السلاح الكيماوي في الغوطة. وصلت اللجنة قبل أيام إلى دمشق استعداداً لزيارة خان العسل وربما إلى مكانين آخرين. في 21 آب، استخدم السلاح الكيماوي على بعد كيلومترات من الفندق الذي يقيم فيه أعضاء اللجنة. حصل أخذ وعطاء وفي النهاية وافقت الحكومة وذهبت اللجنة وأكدت أن السلاح الكيماوي قد استخدم في الغوطة. جمعت اللجنة عينات وأكدت استخدام السلاح. وأعتقد أنهم قالوا أيضاً إن الكيماوي استخدم في خان العسل.

حصل انقسام. قال الروس إنهم على ثقة كاملة بأن النظام لم يستخدم السلاح الكيماوي في أي مكان وحملوا أطرافاً في المعارضة مسؤولية استخدام هذا السلاح.

> لماذا وافق الروس على تدمير أسلحة سورية الكيماوية؟

– هذا مبدأ عام. على الأميركيين والروس تدمير كل أسلحتهم الكيماوية لكنهم تأخروا. أعتبر أن سورية انضمت إلى هذه الجهود. ويفرح إسرائيل إلى أقصى حد أن تتنازل سورية عن هذا السلاح الاستراتيجي.

> خلال مهمتك هل طلبت من الأسد إطلاق المعتقلين؟

– طبعاً، قلت له لدي قائمة أعدتها منظمات سورية لحقوق الإنسان، وتضم 29 ألف اسم وسأسلمها لمكتبك. أرجو أن تتدخل فبينهم من اعتقلوا خلال مشاركتهم في تظاهرات. قلت للمعلم لاحقاً لماذا لا يطلق سراح النساء والأطفال والمسنين. الآن يتحدثون عن عفو وإطلاق بعض الفئات. ويبدو أن عدداً لا بأس به قد خرج.

> سمعتك تقول إنه لم يكن لديك أمل بأن يحقق «جنيف – 2» شيئاً، لماذا عقدته؟

– مجرد قبول الفريقين بفكرة اللقاء ومبدأ الحل السياسي كان مهماً. الوضع في سورية كان مأسوياً. المشكلة إن كلا الطرفين لم يأتِ متطلعاً إلى حل. النظام يحلم بانتصارات ميدانية أوسع والمعارضة غير مرحبة بالتفاوض في ظل ميزان القوى الحالي. الحقيقة أن المعارضة جاءت بفعل الضغوط التي مارسها الأميركيون والنظام جاء بفعل ضغوط الروس. وتصرف كل فريق بأسلوب من أجبر على المجيء. قلت هذا الكلام للأميركيين والروس وقلت إنني لن أستطيع الحصول منهم على شيء إلا إذا أقنعتموهم جدياً بضرورة البحث عن حل، وهذا يعني تنازلات وقرارات وهذا لم يحصل. قرار المعارضة بالمجيء اتخذ قبل يوم واحد من الاجتماع. قلت للمعلم وبشار الجعفري مندوب سورية في الأمم المتحدة كأنني كنت معكم لدى تلقيكم التعليمات. إخواننا الروس يريدون منا أن نذهب. المطلوب ليس فقط أا تتنازلوا، بل ألا تفاوضوا. احتج المعلم والجعفري فأجبتهما أن كل كلمة قلتماها أو لم تقولاها تؤكد ما قلته لكم. في أي حال الأسد تحدث لاحقاً عن استحالة التفاوض مع معارضة الخارج.

المعلم نفسه حمل إلى مونترو خطاباً قاسياً وعنيفاً ولم يترك تهمة إلا وألصقها بالمعارضة بدءاً من الخيانة وصولاً إلى ما هو أبعد. كان جوهر الخطاب: من أنتم لنتفاوض معكم؟ قلت له مرة إذا كنتم تعتبرونهم خونة وعملاء كان الأفضل ألا تأتوا.

> هل كان جمع الوفدين تحت سقف واحد صعباً؟

– هذه لم تكن شديدة الصعوبة المشكلة كانت في غياب النية. الحقيقة أن المعارضة بدأت بعد أيام تتكلم لغة من يريد أن يحاور بحثاً عن حل لكن النظام استمر على موقفه ولهذا أوقفت الاجتماعات.

> متى اتخذت قرار إنهاء مهمتك؟

– منذ سنة. قلت للناس باكراً إنني أفكر كل صباح في الاستقالة. قبل «جنيف – 2» قلت للأمين العام إنني سأنظم هذا الاجتماع وأغادر بعده. الحقيقة أنك تتعذب حين ترى هذه الخسائر البشرية الفادحة والدمار الكبير ولا ترى نفسك قادراً على وقف القتل أو تخفيف الآلام. حاول الأمين العام إقناعي بالبقاء فقلت له المثل العربي «تبديل السروج راحة» ونصحت الأمين العام بالبحث عن شخص آخر ربما تكون لديه أفكار جديدة أو مقاربات أخرى.

> هل تتوقع أن تستمر المواجهات في سورية لسنوات؟

– عندما يقول النظام إن وضعه العسكري يتحسن يمكن القول إن ذلك صحيح. حين يستنتج النظام أن الحسم قريب والنصر وشيك هذا الموضوع أشك فيه. موضوع الحسم ليس في يد النظام. إنه في يد جيرانه والمجتمع الدولي. سورية تعيش حرباً أهلية وحرباً إقليمية عبر الأزمة السورية. الحسم العسكري متعذر في رأيي ما دام باستطاعة المعارضة في الداخل تلقي المزيد من الرجال والسلاح والمال عبر الحدود. احتمال أن تطول الحرب سنوات وارد. يبقى دائماً وجود احتمال بأن تتوقف. الأمين العام للأمم المتحدة يدعو إلى توقف التسليح والتمويل من كل الأطراف وإلى كل الأطراف أي ليس فقط للمعارضة. تتوقف الحرب بالاتفاق على قيام سورية الجديدة أي سورية المختلفة عما كانت عليه في ظل حافظ الأسد وبشار الأسد. الاتفاق على سورية الجديدة يعيد اللحمة بين الناس وبين سورية وجيرانها.

> هناك من يقول إن مهمتك تضررت بفعل الأزمة الأوكرانية والانتخابات الرئاسية في سورية واستمرار الخلاف الإيراني – السعودي، فهل هذا صحيح؟

– لا شك في أن هذا الكلام صحيح. أنا أفضل الكلام على العوائق التي تحول دون رفع هذا الظلم الكبير الذي يتعرض له الشعب السوري. هناك حالة النكران لدى النظام. ينكر النظام وجود انتفاضة أو ثورة أو تمرد ويتمسك باعتباره المسألة مؤامرة خارجية وهذا غير صحيح. المشكلة في الطرف الآخر استسهال الوضع في سورية واعتبار أن النظام انتهى. وهذا يصدق على المعارضة وكثيرين من مؤيديها دولياً وإقليمياً.

كنا أسسنا مساراً ثلاثياً يضم أميركا وروسيا والأمم المتحدة. الأزمة الاوكرانية أوقفت هذا المسار الذي كان يعاني أصلاً من اختلاف القراءات والحسابات بين واشنطن وموسكو. الانتخابات الرئاسية السورية أكدت عملياً أن المفاوضات التي بدأناها في جنيف انتهت. الحقيقة أنها كانت منتهية عملياً لكن الانتخابات عززت هذا الاستنتاج.

> ما هي خطورة أن نشهد تلازم حربين أهليتين واحدة في سورية وأخرى في العراق؟

– هذا الأمر شديد الخطورة. حرب واحدة يمكن أن تؤثر في الدول القريبة والبعيدة. انظر إلى اللاجئين السوريين في لبنان والأردن وتركيا. مآس إنسانية وأعباء اقتصادية ومخاوف أمنية. أنظر أيضاً إلى قلق الدول الأوروبية والغربية من أبنائها الذين يقاتلون في سورية. حرب أهلية وذات طابع طائفي وبتورط إقليمي هذا شديد الخطورة. لم أكن أبالغ حين حذرت باكراً من الصوملة في سورية. ثم هناك ما يجري في العراق وهو يهدد بلداً مهماً في المنطقة وتوازناتها.

> تعاملت مع الأسد الاب، ثم تعاملت مع الأسد الابن، ما الفارق في الأسلوب؟

– كل واحد منهما ابن جيله. الأسد الأب كان يعرف المنطقة معرفة جيدة وكان طويل البال. كان يعقد جلسات تمتد أحياناً سبع ساعات.

> لم يكن بينك وبين الأسد ودّ؟

– لا مع الأب ولا مع الابن لكن كان هناك الاحترام. يمكن أن يكون الأب يعرفني بصورة أفضل. وأنا كنت أعرفه بصورة أفضل. سافرنا الأسد الأب وأنا في طائرة واحدة للمشاركة في تشييع جمال عبدالناصر. كنت في دمشق التي أرسلني إليها الرئيس هواري بومدين في إطار جهود تتعلق بما سمي آنذاك «أيلول الاسود» أي الاشتباكات بين الجيش الأردني والمنظمات الفلسطينية. عرفنا بنبأ وفاة عبدالناصر خلال وجودنا على العشاء في منزل نور الدين الأتاسي رحمه الله. في اليوم الثاني سافرنا معاً. كان حافظ الأسد كما عرفت اتخذ قرار السيطرة على الوضع لكنه ينتظر التوقيت المناسب لإصدار البيان الرقم واحد. كان الناس يعرفون ذلك والأتاسي كان يعرف. وعلم أنه أرجأ الإعلان عن حركته بسبب وفاة عبدالناصر.

> التقيت صدام حسين والتقيت المالكي، ما الفارق بين أسلوب الرجلين؟

– لم أعرف أياً منهما عن قرب. قابلت صدام في شأن لبنان وكذلك في شأن الحرب العراقية – الإيرانية، لكن علاقتي به لم تكن عميقة مثل علاقتي مع عبدالناصر مثلاً. وقابلت المالكي واللقاء الأخير معه كان يتعلق بسورية. معرفتي بالرجلين لا تسمح بعقد مقارنة بينهما.

> بماذا كنت تشعر وأنت تنام في دمشق فيما ترزح سورية تحت القتل والدمار؟

– حاولت باكراً أن أعبر عن هذا الشعور. الأمر مؤلم. هناك كنيسة في حمص بنيت في سنة 1957 هدمت. مسجد خالد بن الوليد ضرب. المسجد العمري في درعا ضرب أيضاً. المسجد الأموي في حلب حصل قتال داخله. الأسواق الشهيرة في حلب احترقت. لهذا، قلت إنهم يدمرون حاضرهم ويهددون مستقبلهم ويدمرون ماضيهم. الحقيقة أنهم يدمرون ماضينا جميعاً فهذا التراث يخص الإنسانية في النهاية وليس سورية وحدها. حين يذهب المرء إلى دمشق التي تغنى بها شعراؤنا ووصفت بأنها قلب العروبة النابض وللمرء فيها ذكريات يشعر بالأسى والكارثة. أنا زرت دمشق للمرة الأولى في 1958. الآن تسمع فيها دوي المدافع ليلاً ونهاراً. هذا فظيع. يشعر المرء بحزن شديد وغضب شديد.

> لا النظام أحبك ولا المعارضة؟

– هذا صحيح وكل فريق انطلاقاً من حساباته. أنا لم أكن في رحلة علاقات عامة. أنا كنت في مهمة لها قواعد وضوابط. ليس المهم المشاعر تجاه المبعوث، المهم المواقف من المسائل المطروحة. أنا قلت منذ اليوم الأول إن ولائي هو للشعب السوري وحده وقبل الجامعة العربية والأمم المتحدة اللتين لا مصالح لهما منفصلة عن مصالح الشعب السوري.

> تتحدث كأنك ظلمت في الإعلام؟

– ظلمت جداً، خصوصاً في العالم العربي ومما أسميه الأقلام المأجورة وهي موجودة في دمشق وخارجها. كل واحد يريد أن يفرض عليك تصوره وحين تكون مستقلاً يعتبرك ضد سورية. بالنسبة إلى النظام هناك مؤامرة إمبريالية استعمارية إسرائيلية، وإذا كنت ضد موقف النظام، فأنت إذاً جزء من هذه المؤامرة ومؤيد للإرهاب، ومن حيث تدري أو لم تدرِ فأنت متواطئ مع إسرائيل. بالنسبة إلى المعارضة النظام ساقط وأنت تقول لا يوجد حسم عسكري ويجب إجراء مفاوضات وهذا يعني أنك تحمي النظام، بالتالي أنت عدو وقد عبر جورج صبرا عن هذا الموقف ببلاغة شديدة.

من الحياة

مواضيع ذات صلة



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *