الإدارة الذاتية ونشر الفكر الأوجلاني

29 مارس، 2014 12:20 ص 228 مشاهدة

t.h

رغم هجمات "داعش" على مناطق الإدارة الذاتية، والمقاومة الملحمية التي تبديها وحدات حماية الشعب، ومن خلفها كل الأهالي، ألا أن الحياة يجب أن تستمر، ولا بد من التفكير في كيفية تطوير العمل المؤسساتي في مقاطعات الإدارة الذاتية الثلاثة: "الجزيرة"، "كوباني" و"عفرين".

ثمة عقد اجتماعي وبرامج عمل الإدارة والهيئات والمؤسسات المعنية، وثمة مشاركة من كل المكونات وتقبل ينمو كل يوم لهذه التجربة، من حيث الالتزام بها والولاء لقانونها. هذا أمر جيد ومسؤولية كبيرة تقع على عاتق الحكومات المحلية، والتي تقف أمام تحديات هائلة في الداخل والخارج، منها ما يتعلق بحياة الناس وضمان لقمتهم وأمنهم، ومنها ما يتعلق بالدفاع عن المقاطعات الثلاثة في وجه "داعش" آفة العصر، وحمايتها، كذلك، من سياسة التخريب وبث الفتن التي ينتهجها النظام في دمشق.

في هذا الخضم من العمل المتواصل الجسيم، من المهم الحديث عن الفكر الذي أسس لهذه المنجزات، وحمى أهل المقاطعات الثلاثة ومن التجأ إليها من أهل الداخل السوري. من اللازم الحديث عن مبادئ "اخوة الشعوب" و"الأمة الديمقراطية" المستقاة من فكر المفكر والزعيم الكردي الأممي عبد الله أوجلان. ففي بحر الدم السوري، ثمة تجربة رائدة تنمو بهدوء. تجربة تقوم على الديمقراطية الشعبية و"اخوة الشعوب" ومشاركة جميع أطياف المجتمع في الحكم والإدارة، واحترام خصوصياتها والدفاع عن الجميع دون تفرقة. تجربة توطد الأساس الصحيح والهدف الأسمى الذي قامت من أجله الثورة السورية وضحى السوريون بدمائهم ثمنا له: المجتمع الديمقراطي الحر!.

تجربة المقاطعات المستوحاة من فكر أوجلان ورؤاه في الإخاء والعيش المشترك بين شعوب المنطقة، ثبتت أقدامها، ولكن يلزمها عمل كبير ومتابعة دائمة لكي تصبح نهج حياة. فلا ننسى أن النظام السوري وطيلة عشرات السنين أشاعّ أجواء الكره والعصبية والبغضاء بين جميع المكونات وشحنها ضد بعضها البعض. لم يتح هذا النظام أي فرصة لكي ينمو مجتمع مدني صحي ولكي تتعارف هذه المكونات على ثقافات بعضها البعض. كان التوجس هو عنوان تلك المرحلة القاتمة. الآن ثمة فكر جديد. فكر يرمي إلى بناء الإنسان وتطويره، بغض النظر عن القومية والدين والمذهب. إنه فكر "الأمة الديمقراطية". الفكر الذي ينشر المحبة والإخاء. الفكر الذي يضمن للمرأة وجودها ويحررها من أن تكون سلعة بيد الرجل. الفكر الذي ينشر ثقافة حقوق الإنسان ويحمي البيئة من التلوث: يطالب بأن يكون بيت المرء وحقله وشارعه وساحة حيه ومدينته نظيفة وهوائها نظيف صحي. الفكر الذي ينبذ القوموية وغرائزها المميتة. ينبذ الطائفية وغرائزها المميتة. ينبذ العشائرية الضيقة، وينبذ الاستخدام النفعي للدين.

من المهم نشر هذا الفكر الأوجلاني في مقاطعات الإدارة الذاتية، وبشكل خاص في مقاطعة "الجزيرة" لتنوع منبت أهلها القومي والديني والطائفي. الفكر الأوجلاني قادر أن يٌزيل جبال المواقف المسبقة ومزاجيات الترقب والحذر و"عدم الثقة" التي زرعها النظام والفكر الشوفيني البائد في النفوس. ثمة تقبل الآن لهذا الفكر في المقاطعات. ثمة أرضية جيدة توفرت بفضل مقاومة وثورية المناضلين الأشداء. كل المكونات خبرّت هذا الفكر وتعرف بأنه هو من يتصدى للإرهاب ويساهم مساهمة كبرى في توطيد الأمن ونشر الحرية والإخاء. وهو من سينصفها وسيحميها وسيضمن لها حقوقها دون تفرقة أو اقصاء.

هذا الفكر هو من دافع عن المدينة الكردية وحمى أهلها من الإرهاب.

هذا الفكر هو من دافع عن قرى العرب وحمى أهلها من الإرهاب.

هذا الفكر هو من دافع عن كنائس وأديرة المسيحيين ومنع المجرمين من تدنيسها.

هذا الفكر هو من حمى قرى الكرد الإيزيديين وأهلها من الإرهابيين المجرمين.

هذا الفكر هو الآن من يدافع ويبني. لا يبتغي سلطة، ولكن يضحي من أجل أن يكون المجتمع هو من يدير نفسه بنفسه، وأن تكون كل المكونات أصحاب قرار وكلمة وبصمة، وأن تشرف على حياتها، لا أن يأتي شخص/جهة من العاصمة ليحكمها ويشحنها ضد بعضها البعض.

نحن أحوج ما نكون إلى نشر الفكر الأوجلاني في مقاطعاتنا، على شكل كتب وكراريس وأفلام وبرامج مرئية ومسموعة وبكل اللغات.

من المهم التركيز على اللغة العربية في نشر فكر "الأمة الديمقراطية". قدر هذا الفكر أن يساهم في دمقرطة سوريا كلها، والتصدي للمشروع التخريبي "الداعشي" والمشروع الارتزاقي الذي يقود لواءه "الائتلاف" المرتهن للقوى الخارجية. نحن بحاجة إلى منابر فضائية باللغة العربية، موجهة إلى كل السوريين، ومن ضمنهم مواطني المقاطعات الثلاثة، تكون قادرة على التصدي للمنابر الطائفية العنصرية المغرضة، من التي تنشر ثقافة الموت والكره والتحريض.

المشروع الأوجلاني ترياق للقضاء على ثقافة الكره والتعصب والطائفية والعنصرية المقيتة.

يجب أن يطلع كل أبناء المقاطعات، وكل الضيوف، على هذا الفكر وأن يخبروه، لكي يأخذ حقه في البحث والتنقيب والنشر.

فكر "الأمة الديمقراطية" الذي يدفع العربي في "ماردين" والآذري في "ايدر" والتركماني في "روها" لكي يصوتوا لممثلي فكر "اخوة الشعوب" ويصدروهم كبرلمانيين ورؤساء بلديات، هو ما يحتاجه الجميع الآن.

من المهم أن يطلع الجميع على فكر وتراث أوجلان، وأن يبحثوا فيه ويقارنوه بما يجري على الساحة السورية الداخلية من قتل وتخريب وبيع وشراء في دماء الناس.

نحتاج في مقاطعاتنا الثلاث ( وخصوصا "الجزيرة") إلى ثورة ثقافية ومراجعة كاملة لمناهج التعليم، لبناء الثقة ومسح كل ما علق بالأذهان من ثقافة اللون الواحد، والإلغاء والحذف الآفلة.

الثقافة الجديدة التي يوطدها صاحب مشروع "الأمة الديمقراطية"، هي ثقافة إنسانية لكل الناس. هي ثقافة شرقية أصيلة تستند على إبداع الحضارات الأولى وتحمل تراثها وفنونها، وهي بالتالي، ملك لكل الشعوب والأقوام من أبناء هذه المنطقة. هي ليست ثقافة قومية ضيقة، ولكنها شرق أوسطية وإنسانية، بروح كردية جديدة.

من أجل نشر هذه الثقافة وهذا الفكر، نحتاج لمشروع متكامل، شامل وكبير….

بقلم: طارق حمو 

مواضيع ذات صلة



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *