الخطاب السياسي واجتزائه في لبنان…غياب الرؤية المهنية والحاجة ملحة للتجديد

12 يوليو، 2014 9:42 ص 160 مشاهدة

خالد ممدوح العزي

الخطاب السياسي وسيلة تواصل واستنهاض شعبي وهو من اقرب واسهل الاساليب للوصول الى عقول " الجمهور" ، و كثر من ذلك ،عبارة عن عملية  "شحن" للنفوس والعقول( طائفي ، مذهبي..) وهذه الطريقة توازي في فعلها كل وسائل الاقناع العلمي والمنطقي،ولا سيما عند الشعوب التي لا تتطلب جرعة كبيرة من  الضخ الايديولوجي، وهذا مرتبط بالظروف السياسية والاجتماعية، في لحظات معينة قد يشعل حرباً ، اي انه خطاب " غب الطلب " ، ويكون تأثير ومفعول الخطاب  بحسب النبرة التي تكون اقوى على المتلقي.

فالسياسي هو كالعامل اليومي المياوم، وان كان يحاول ان يمثل دور المؤرخن، ولكن على طريقته وفهمه وتحليله للامور بحسب ما يشتهي وقد يخطئ او يصيب لكن كل ذلك من ادوات العمل اليومي وبحسب الظروف ، اما المؤرخ  لا يصنع الحدث انما يحلله ويعيده الى الظروف التاريخية التي كانت سائدة وان كان هناك الكثير من المؤرخين لا يبحثون عن الحقيقة، بل فقط استحضار التاريخ بحسب خلفياتهم السياسة وهذا الاخطر . ان كلا الطرفين السياسي والمؤرخ له وظيفته.

وفي كثير من الاحيان السياسي  ليس مضطراً للبحث في التاريخ، وانما يتحول الى ناطق ايديولوجي وان بنبرة عالية ولغاية " في نفس يعقوب"  وهنا الخطورة في ذلك. عليه ان ينظر في مصدر الخبر،او الحدث الذي يتناوله لكي يكون مؤثرا وفعالا في هذه الجماهير التي تتلقى الرسالة ،وينبغي ان يناقش التاريخ على انه نص سياسي لا فكري،فهو مجموعة اخبار كانت سياسية فيما مضى ،ثم اضحت تاريخا بعد حدوثها ،وهكذا يصبح كل حدث سياسيا.

لكن في لبنان كما في العالم العربي يعاني الخطاب السياسي من مشكلة اساسية في  نقله في كافة الوسائل الاعلامية بسبب عملية الاجتزاء التي تفرض نفسها على الخطاب السياسي ،لكن الخطاب السياسي في لبنان يعاني مشكلة "الاجتزاء".  ان اجتزاء الخطاب السياسي في الوسائل الاعلام اللبنانية يضعه امام تساؤلات عدة،  ما يفقد الاعلام هيبته وموضوعيته بسبب القانون الذي صدر في العام 1996، وادى الى تقاسم الوسائل الاعلامية على اساس "الكوتا " للتعبير بين ارباب المناطق والمذاهب .

 وهذه الاشكالية بحد ذاتها تقيد العمل الاعلامي الموضوعي وتضعه تحت سيطرة المذاهب والقوى السياسية  التي تمارس عملية "تجزئة الخطاب" بما يتوافق مع توجهاتها السياسية والحزبية الخاصة ،وهذا ما يفقدها  الموضوعية اثناء عملية النقل للخطاب،ما يعد ضربة كبيرة للمفاهيم الديموقراطية وحرية التعبير في بلد مثل لبنان،  ما ينعكس سلباً في نقل الرأي والرأي الاخر في الوسائل الاعلامية المختلفة .

فالاجتزاء الذي تمارسه الوسائل الاعلامية فرض اشكاليات متعددة يجب العمل على معالجتها والخروج منها من جعل الاعلام  اكثر حرية واقرب الى عقل المتلقي:

1-العمل الاعلامي يرتكز على الموضوعية بنقل الخبر او الحدث وحتى اثناء عملية  تجزئة الخطاب السياسية بسبب ضيق الوقت او الهامش الزمني لنقل الخبر وبحال تعذر يجب عرض التوازي في الخطاب(رأي ورأي الآخر، الوقت المحدد ..) .

2- المهنية الاعلامية تطلب اثناء التجزئة (المونتاج) العرض الموضوعي الذي تفرضه الحرفة والأخلاق المهنية في الموضوع المتناول .

3-توجه الوسيلة الاعلامية يفرض نفسه على اجتزاء الخبر حيث يصبح الاعلامي محلل سياسي .

4- غياب المهنية الصحافية في الوسائل تضعف الاجتزاء وتضعه في موقع الشك بسبب ثقافة الشخص الذي يمارس هذه المهمة.

5- الاجتزاء المزاجي للخطاب يعقده ويفقده مضمونه الحقيقي ويتسبب باللغط للمتلقي او المحلل ويسبب ارباك في تحليل الرسالة او التقرير او الخطاب.

6-  الخبر العاجل الذي يجب ان يغطي مفاصل الخطاب الاساسية في عملية النقل و ألاّ يعتمد على الارتجال او العصبية او المزاجية،فالتجزئة المهنية والأخلاقية تنقل مضمون الخبر .

فالإعلام اللبناني الذي ينقسم بين جبهتي 8 و14 اذار يحاول ان يكون في موقع الحدث السياسي والتحليل في تناوله للمواضيع والإخبار والخطب، وبالتالي تسقط عنه مفهوم الموضوعية ليشكل اعلاماً حزبياً ومناطقياً  ما  يغيردور الصحافي ليصبح محللاً سياسياً.

ومن هنا تقع المحطات التلفزيونية والوسائل الاعلامية بشكل عام في فخ السياسة والتي لا تحاول ان تكون على مسافة من السياسين والفصل بين توجهها السياسي وعملها الاعلامي، مما يفسح المجال امام الاعلاميين او المراسلين بممارسة العمل السياسي في المؤسسة حفاظا على مواقعهم وامتيازاتهم الشخصية ظناً منهم بأنهم يخدمون مصالح المؤسسة . ومن ناحية اخرى متعلقة بالإعلامي نفسه الذي لا يمكنه الفصل بين الاعلام والسياسية في التغطية الاعلامية .

لذلك تقوم الاستراتيجة الاعلامية في الوسائل الاعلامية اللبنانية على الحذف والاجتزاء والفبركة والتحريف وفقا لما تتطلبه المؤسسة بحسب توجهها السياسي، يأتي الاجتزاء  في الخطاب السياسي للتقليل من اهميته ونقله على غير مضمونه،ما يقزمه ويبعده عن محتواه الفعلي او ما هو المقصود بالاساس، مما يحدث شرخاً بين الخطيب والجهة التي تستمع للرسالة.

ومن هنا، لابد من العمل الفعلي والجدي على اعادة الاعتبار للإعلام الوطني الجامع الذي يضم كافة الشرائح الاجتماعية والمناطقية الذي تم اضعافه وتحجيم دوره لصالح الطوائف والمحسوبيات والمنافع الشخصية ،وهذا ما ادى الى  نمو اعلام خاص( صحيفة، اذاعة ، تلفزيون ..) مهمته التنافس ليس على الجودة والنوعية وإنما على تعميق الشرخ الاجتماعي والسياسي في هذا البلد الذي يتعرض لأصعب ظروف ،و مع الاشارة الى ان هذا الاعلام قد لعب دورا كبيرا وخطيراً في ولائه للخارج والمحاور  في اثناء الثورات العربية، الذي كان وما زال فيها محورا من محاور الصراع السياسية في المنطقة وعرابا لها محاولا التأثير على الشرائح الذي يسيطر عليها او يمثّل.

الصحافيون بشكل عام،والعاملون في الوسائل التلفزيونية بشكل خاص، قادرون على صنع الاحداث الاجتماعية وتقديمها وفبركتها وفقا لسياسة الوسيلة الاعلامية التي يعملون فيها ،ووفقا لمعاييرها الخاصة .

وهذا ما شاهدناه اثناء التغطية الميدانية للإحداث التي تعصف بلبنان وبخاصة الاعمال المسلحة وحالات التفجيرات التي حصلت، ولعل المثال الابرز هو في عملية نقل صور الضحايا ،وإذا كان الاهتمام الجماهيري بوسائل البث التلفزيوني يعود للوسائل التقنية التي تمتلكها وللصورة التي تترك تأثيرا كبيرا على الجماهير هذا لا يعني ان تكلفة  التغطية غير كافية ، لذا تتطلب الممارسة الاعلامية في مطلع الالفية الثالثة التنمية الأخلاقية الاعلامية في بلد متعدد الاديان ،منقسم على نفسه عموديا وأفقيا. وهنا تبرز الحاجة في الاعلام اللبناني ليس للتأسيس لمفهوم جديد للأخلاق  الاعلامية ،وإنما الحاجة لتنمية الخلقية المهنية الاعلامية ،وتنظيم المواد الاعلامية ضمن اطر وقواعد وأصول المهنة والارتقاء بمستواه العملي والقيمي بما يخدم حاجات المجتمع.

مواضيع ذات صلة



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *