العقل السياسي الإيراني.. وانفراط عقد ’’محور الممانعة‘‘!

28 يونيو، 2014 4:29 م 133 مشاهدة

0000_1107

يكشف تعامل النظام الإيراني مع التطورات الإقليمية العاصفة، طبيعة وتركيبة العقل السياسي الإيراني السائد، المتحكم في ساسته، حيث يشير النهج الذي اتبعوه في معاداة الثورة السورية، والدعم الهائل للنظام السوري، قرين نظامهم في النهج والممارسة والتوجهات، إلى حجم التورط والتورّم الذي أصابهم، كي يحافظوا على عدم انفراط عقد "محور الممانعة"، الذي دخل في دائرة بركان ثائر، لن تهدأ حممه إلا بإسقاط أصحاب الرؤوس الحامية، الذين يتصرفون وكأنهم قادة دولاً عظمى، في وقت لا تظهر عظمتهم الجوفاء إلا على صورة إقصاء وقمع وقتل العزل من شعوبهم.

 ولعل الأجدى للنظام الإيراني هو أن يحسب بدقة ارتدادات وإرهاصات معركة دعمه للنظام السوري، وأن يصرف مليارات الدولارات المهدورة، لتلبية احتياجات حياة ناسه واقتصاد البلد الذي يحكمه، الرازح تحت ثقل العقوبات الاقتصادية الأميركية والأوروبية، وهو يعرف أن الأنياب النووية التي يطمح إلى امتلاكها، لن ينالها إلا على حساب إفقار غالبية الإيرانيين، بعد أن أفقر حياتهم السياسية، وصادر مجالهم العام، لصالح إطلاقية ما يراه الولي الفقيه، وتحكم الملالي بالمقدرات والقدرات.

ومثل نظرائهم في النظام السوري، لم يجد قادة النظام الإيراني سوى مشجب التدخلات الخارجية، كي يواجهوا متغيرات الداخل وثورات شبابه، وأن يساوموا الغرب مع اقتراب "الدولة العظمى" من حافة الإفلاس، الأمر الذي يكشف حجم الورطة، التي تفيد بأن العقل السياسي الإيراني لن يسعفه استعارته من رصيفه السوري نفس المفردات المتقادمة، ولن تنفع مزايداته التي تشبه الغرب بـ"ديدان تمتص دماء الشعب"، "الملتف حول قيادته"، مثلما زعم رأس النظام السوري، قبل اندلاع الثورة بأسابيع قليلة.

غير أن الثمن الذي يدفعه النظام الإيراني في معركة دعم النظام السوري، إلى جانب سعيه النووي الخطر، يدعوان إلى النظر في آلية تفكير ساسة النظام، وتلمس الأسباب والحيثيات التي جعلتهم، يتعاملون مع الوضع في سوريا، وكأنه القضية الأهم بالنسبة إليهم في منطقة الشرق الأوسط.

وتدعو الحاجة كذلك إلى التفكير في أبعاد الدور الإقليمي لإيران والمشروع الإيراني الارتدادي، الذي يضرب عمقه في التاريخ، وتحكمه مرجعيات الثأر لمعارك ومواجهات قديمة، لم يخضها عرب اليوم، ولا يسألون عنها، مع العلم أن العرب الذين دخلوا إيران، في غابر الأزمان، دخلوها كمسلمين، وفاتحين، ولم يكنوا العداء للشعوب الإيرانية التي دخلت الإسلام دون إكراه.

والناظر في عقلية المتشددين في إيران، يجد أنهم دعاة مشروع إيديولوجي، يتخذ تلاوين مختلفة في المنطقة، ويقف وراءه عقل سياسي، يزاوج ما بين الديني والقومي، أي ما بين العقيدة المؤولة مذهبياً، وفق فهم رجال دين متزمتين، وبين الطموح القومي الضارب في عمق الإيديولوجيا والتاريخ الغابر، الأمر الذي يجعل منه مشروعاً جامعاً ما بين السعي إلى الهيمنة وإلى التغيير، وهادفاً إلى تحقيقهما بمختلف الوسائل، المشروعة وغير المشروعة.

ولا يقدم دعاته ومناصريه أية تنازلات، ولا يقبلون بالمساومات أو التسويات، حتى وإن تعلّق الأمر بالأسم فقط، حيث مازالوا يرفضون تسمية "الخليج الإسلامي"، التي اقترحت كحل وسط لتسمية الخليج العربي، ويصرون على تسميته "الخليج الفارسي"، بل ويواصلون احتلالهم جزر دولة الامارات العربية المتحدة!.

والمفارق في الأمر أن الشعب الإيراني، لا تسكن غالبيته هواجس هذا المشروع، ولا يكنون العداء للشعب السوري أو سواه من الشعوب العربية وغيرها، في حين أن الموقف الإيراني الرسمي حيال الأزمة في سوريا، اتسم بالانحياز الكامل للنظام السوري، منذ اندلاع شرارة الحراك الاحتجاجي الشعبي فيها، حيث تبنى الساسة الإيرانيين خطاباً داعماً للنظام في نهجه وسياساته الداخلية والخارجية، ونظروا إلى الأزمة بوصفها نتاج "مؤامرة خارجية"، هدفها النيل من مواقف النظام المعادية للمشاريع الأميركية والصهيونية، ولم يخفوا وقوفهم القوي إلى جانبه بكل إمكاناتهم الدبلوماسية والسياسية واللوجستية والعسكرية، بل عموه بالرجال والمال والسلاح، وتبنوا وجهة نظره وطريقة تعامله مع الأوضاع الدامية والمتغوّلة في قتل المدنيين وتدمير البلاد.

 ومنذ عقود عدة، يحاول النظام الإيراني تنفيذ معادلات، تنهض على قيام إيران بدور الدولة المحورية بأسنان نووية، وتتزعم المشرق الإسلامي تحت يافطة ذرائعية، فحواها الصراع مع إسرائيل ومجابهة الولايات المتحدة الأميركية. وهي يافطة شعاراتية فارغة، لأن هذا النظام سارع على الدوام إلى مهادنة المشاريع الأميركية والاستفادة منها، بل وساعد الإدارات الأميركية، التي تعاقبت على البيت الأبيض، على تنفيذ مرادها في أفغانستان وفي العراق. في حين أن الصراع المزعوم مع إسرائيل اكتسى معانٍ لفظية، طنانة فقط، لأن الهدف من ورائه ضمان أمن النظام الإيراني وسلامة نخبته الحاكمة، إلى جانب سعيه إلى إيجاد مجال حيوي يضمن نفوذه الإقليمي القوي.

  وبالرغم من ذلك كله، فإن أصحاب العقل السياسي الإيراني معروف بأنهم ليسوا بعيدين عن عالم الصفقات، حيث توصف العقلية السياسية الإيرانية بعقلية "البازار"، القائمة على المساومة والمماطلة، وبالتالي قد تدخل القيادة الإيرانية في مساوات مع القوى الدولية الفاعلة للحفاظ على مصالحها، بالرغم من أن علاقاتها وتحالفاتها مع النظام السوري، لا تتوقف عند حدود سوريا الجغرافية، إنما تتجاوزها إلى حزب الله في لبنان وإلى القوى الحليفة لها في العراق.

عمر كوش – ساحة الرأي

مواضيع ذات صلة



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *