القصة التامرية

12 سبتمبر، 2014 5:15 م 249 مشاهدة

amani

مع نهاية الخمسينيات وبداية الستينيات من القرن الماضي، خطت القصة القصيرة في سوريا خطوات واسعة جديدة وجريئة، دفعت بها إلى مقدمة الأجناس الأدبية، واستقرت في هذه الفترة المعايير والمقاييس التي يتم إخضاع القصة لها أو أنها اتخذت صفات وملامح أكثر استقراراً مما سبقها، فانتفت الترهات والحواشي، وترسخ الزمن القصصي، وبدئ باستخدام الرمز والتضمين ومعطيات القصة الحديثة في الشكل والأدوات، واتخذ قصاصونا مواقعهم الفنية والفكرية، وبرزت أسماء جديدة إلى جوار الأسماء الأخرى السابقة التي استمرت في العطاء، من بين هذه الأسماء تميز بريق خاص: زكريا تامر؛ هذا القاص الذي اندفع بشراسة المتمردين ليشقّ درباً بكراً في أرض القصة السورية، وليضع فوق هذه الخارطة بصماته وتضاريسه البارزة المميزة، وبدأ معه ما يمكن وصفه بالمرحلة الذهبية للقصة القصيرة، وأصبح بإمكان الدارس التأريخ للقصة الحديثة.
وتميز القاص السوري زكريا تامر في مضمار القصة القصيرة تميزاً جعل بعض النقاد يطلقون على النمط القصصي الجديد الذي أبدعه زكريا تامر بالقصة التامرية.

فماأهم مميزات القصة التامرية؟:

1- أسطرة الواقع: اعتمد زكريا تامر في قصصه على مزج الواقع بالأسطورة، أوبالأحرا التعبير عن الواقع بشكل أسطوري، ولكن هذه الأساطير ما هي إلا نماذج بشرية تعيش بيننا، يقول: «أنا قمت بأسطرة الواقع عبر استدعاء واكتشاف نماذج إنسانية لا تخطر على بال ولكنها موجودة». هذه الأسطرة سماها بعض النقاد الرمزية وبعضهم سماها اللامعقول وقرنوا اسمها باسم زكريا تامر «إلى جانب الوجوديين وأصحاب اللامعقول والرمز مثل زكريا تامر» (عدنان بن ذريل، أدب القصة في سوريا، 206).

2- الغموض: تناول تامر موضوعاته بشيء من الغموض، وليس هو ذاك الغموض المعقد المنفر بل إنه الغموض المشوق الذي يدفع بالقارئ إلى إعادة القراءة عدة مرات لفك رموزه وكشف الخفايا والحقائق المتوارية خلفه إذ أنه «ليس من السهل أن نقف على فكرة القصة بقراءة سريعة غير أن المرء يميل إلى الشعور بعد القراءة الأولى بأن ما يمكن تسميته بالغموض في القصة هو من النوع الذي يثير فضول القارئ ويدفعه إلى قراءتها مجدداً أو بعناية ويشعر المرء منذ البداية أن لدى القصة ما تقوله» (حسام الخطيب، القصة القصيرة في سوريا، 306).

3- اللغة الشعرية: تفيض أقاصيص زكريا تامر شعرية كثيرة لم تعرفها الأقصوصة العربية من قبل، مما جعلها تتميز بالجدة والأصالة والتفرد.

4- الواقعية والالتزام: تمكن زكريا تامر من التفرد بين كل الكتّاب السوريين بفهم الواقعية بشفافية أكبر وعمق أشد. ولعل هذه النقطة بالذات مامنح أدبه القصصي طوال العقود الفائتة رونقه ومذاقه الخاصّين. اليوم يطلق زكريا تامر فهمه المتجدد للحياة، ولعله بهذا الفهم وبموهبته يواصل فنه القصصي بجدارة متجددة.

زكريا تامر لم يكن يكتب القصة لمجرد أنه كاتب لديه خزينة إبداعية يريد تفريغها في أي قصة تصدر له، بل كان المجتمع مرآته التي يرى فيها قصته القصيرة، فصاغ هذا المجتمع – بسلبياته ومساوئه وفقره وهيمنة السلطة فيه – بين طيات أوراقه لتكون قصصه قصص كاتب ملتزم بقضايا مجتمعه مصور لها، ولا سيما أننا في زمن أصبحنا فيه «بحاجة إلى أديب ملتزم بمصالح الجماهير ينطلق من رؤيا جديدة للواقع وتنبؤ بالمستقبل فلا بد للفنان من وجهة نظرمحددة يصدر عنها، إذ كيف يكتب الأديب متجاهلاً تواجده في مجتمع محتلّ متخلّف» (د. فيصل سماق، الرواية السورية نشأتها مذاهبها تطورها، 189).

مواضيع ذات صلة



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *