القوة الروسية في اوكرانيا: طريق للفدرلة

4 مايو، 2014 1:29 م 214 مشاهدة

خالد ممدوح العزي

نظمت روسيا في العصر الحديث ثلاث عمليات غزو.  تم غزو هنغاريا في نوفمبر/تشرين الثاني 1955، و تشيكوسلوفاكيا في أغسطس/آب 1968، عندما بدأت الحكومتان الشيوعيتان هناك وإظهار بعض الميول الغربية على نحو خطير، إضافة إلى غزو أفغانستان في ديسمبر/كانون الأول  1977 ،عندما كانت الحكومة الموالية لموسكو على وشك الانهيار.  لكن غزو  القرم اختلف كليا عن تلك الغزوات. لقد سارع السلطات الروسية الى نشر عدد من وحداتها العسكرية بعد ساعات من نشر تقارير، تتحدث عن تحركات للقوات الروسية في 26  فبراير / شباط الماضي. وبعد يومين فقط من تحذير  اطلقه الرئيس الاميركي باراك أوباما يقول فيه: أنه ستكون هناك "تكاليف" باهظة إذا ما جرى غزو شبه جزيرة القرم من قبل القوات الروسية،  بعد ان كانت القوات الروسية قد وصلت بالفعل الى شبه الجزيرة،  وأصبح وجودها في القرم أمرا واقعاً.

انزالت القوات البحرية الروسية والتي يطلق عليها "كلاب البحار" او "القبعات السوداء" القوات الروسية الخاصة (سبيتسناز)في شبه جزيرة القرم، وهذا القوة موجودة في المحيط الهادئ، واستقدامها الى البحر الاسود يحتاج اقله الى فترة اسبوع.  وبالمناسبة هذه القوة العسكرية هي التي استقدمتها موسكو في ليلة 31 يناير من العام 1994 وقد هاجمت مدينة غروزني الشيشانية بقوة النيران ، حيث هدمت انذاك المدينة على الارض، وطهرتها من المقاتلين الشيشان .

اتسمت هذه العمليات العسكرية  بالقسوة، وشارك فيها عدداً كبيراً من الجنود والدبابات ،وتسبب المعارك باراقة الدماء والدمار الكبير. لكن الاستيلاء على القرم كان أمرا مختلفا ،إذ لجأ الروس إلى التسلل بدلا من الغزو، بعد ان استفادت روسيا من تجربة حرب جورجيا عام 2008/ حيث دخلت الى القرم بشكل سريع في محاولة لترك الصدمة العسكرية لدى دول الغرب واثبات القدرات العسكرية  المتطورة ، والتي استفادة منها روسيا طوال الفترة السابقة، وخاصة في ما يخص محاربة العصابات الارهابية في مناطق القوقاز،اضافة الى اعادة تطوير الانتاج العسكري والحربي في روسيا، وتحديداً في فترة ولاية الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الثالثة .

 لقد ظهر أفراد القوة العسكرية  الخاصة الروسية  في شبه الجزيرة  بشكل علني، ويمكن استخلاص العديد من الأشياء الواضحة من خلال المراقبة الميدانية لهذه القوات، والتي تتميز بتحركات أفراد تلك القوات بدرجة كبيرة من الكتمان، ولا يضعون شارات محددة على ملابسهم، ولا يكشفون وجوههم في الغالب، كما أنهم يتميزون بالانضباط والحسم في تحركاتهم" . وفي 2 مارس/ اذار الماضي، حسم امر جزيرة القرم ،كان كل شيء قد انتهى.. إذ كان العالم الخارجي يتوقع أن تأتي السفن الروسية وتستولي على القرم،  لكن ما حدث هو أن الاستيلاء على القرم تم تحت جنح الظلام وبطريقة سرية.ولكن بعد الاستفتاء الذي انجزته الجمهورية في 16 اذارمارس تنفست روسيا الصعداء. ترفرف الأعلام الروسية حاليا على 189 منشأة ووحدة عسكرية أوكرانية في القرم، بحسب ما أوردته وكالة “انترفاكس” الإخبارية. وبالتالي انتقلت المواجهة من شبه جزيرة القرم الى الحدود الشرقية الاوكرانية حيث تم انتشار اكثر من مئة الف جندي روسي في عملية ضغط على اوكرانيا وتهديدا لها في حال القيام بأي عمل عدائي ضد جزيرة القرم .

وبحسب الخبراء العسكريون والمراقبون،  فإن العملية العسكرية في القرم تشبه الى حد كبير قوة الانزال المظلي في مطار برشتينا الكوسوفي، حيث دخلت القوة الروسية الى المطار، وقد فاجأت الجميع بطريقة عملها السريع والمنظم ، لكن حينها كنت تنسق مع قوات الناتو في اطار قوات حفظ السلام "كيفور" .  وتشير عملية القرم الجيدة الى التنظيم أيضا وإلى التقدم في التطور وتدريب الجيش الروسي الذي يعمل بمثل هذه الدقة قبل عشر سنوات في الشيشان وفي غزو جورجيا عام 2008، والمحاولة الفاشلة لتحرير 850 رهينة في مسرح موسكو عام 2002 والتي أسفرت عن وفاة 130 رهينة.

وفي اشارة الى تعداد القوات العسكرية بين البلدين ،يبلغ عددا القوات المسلحة الأوكرانية مقابل 160 ألفا من الجنود النظاميين ومليون من جنود الاحتياط، لأوكرانيا مقارنة بـ845 ألف من الجنود النظاميين، ومعهم مليونان و485 ألفا من احتياطي ناشط ويخدم في الجيش، إضافة الى 22 مليونا من الاحتياطي العام، بحسب آخر الأرقام المعلنة للعام 2012. على سبيل المثال تملك أوكرانيا 25 قطعة بحرية مقابل 325 في روسيا التي تملك حاملة طائرات واحدة، مقابل لا شيء لأوكرانيا التي ليس لديهالا تمتلك إلا غواصة واحدة مقابل 63 روسية . اما ميزانية القوات المسلحة الأوكرانية تبلغ 1.6 مليار دولار، مقارنة مع 78 مليار دولار للجانب الروسي .  وهذا العمل الاستعراضي التي مارسته روسيا في القرم يهدف الى نقطتين :

-الاولى هي عملية استعراضية روسيا في مناطق نفوذها التي تحاول ارسال اشارة للجميع بعدم التعدي على مناطق نفوذها التاريخية التي تجعلها تستخدم القوة العسكرية لحمايتها ولحماية ومحاولة تطمين جاليتها المنتشرة في كافة دول الاتحاد السوفياتي السابق .

-ثانيا ان العمليات الاستعراضية التي تحاول روسيا ممارستها في القرم ما هي إلا رسالة دبلوماسية للدول المجاورة والمعنية بملف اوكرانيا .

ان فتح  باب الحوار والتفاوض الجدي حول مستقبل اوكرانيا وخاصة قبل الانتخابات الرئيسية القادمة في 25 مايو ايار القادم قد يساعد الجميع في الخروج من النفق المظلم ، وخاصة بظل سيطرة القوى الاوكرانية  المتطرفة على السلطة والتي تهدد امن الغرب ، وأيضا بظل تردي الاوضاع الاقتصادية الاوكرانية الذي يهدد بإفلاس الدولة.

فالمعنيون بأوكرانيا  وأزمتها الحالية لابد من العمل الفعال سريعا لمعالجتها ،لكن على ما يبدو لا تزال الصيغ غائبة عن مفكرة الجميع ، وهذا ما شجع الروس بطرح حل قد يكون جذري لمعالجة الازمة من خلال الفدرلة .

 وبحال استمر الغرب بالتصعيد واستخدام الخطاب المتوتر ، سيجبر موسكو من الرد واستخدام  اوراق ضغط مختلفة ضد كييف ومن اهمها رفع سعر الغاز تدريجيا حتى بداية قدوم فصل الخريف مما سيساعد روسيا على استنزاف النظام في اوكرانيا والغرب وإدخالهم في مستنقع اقتصادي غير مستقر ، بالإضافة الى اوراق اخرى سترفعها موسكو لاحقا في حربها الناعمة بوجه كييف اذا لم ترعى مصالحها في اوكرانيا.

بقلم: خالد ممدوح العزي

مواضيع ذات صلة



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *