المخيمات الفلسطينية في لبنان … ضريبة التهميش والتطرف

17 مارس، 2014 11:17 م 151 مشاهدة

خالد ممدوح العزي

في الوقت الذي تقوم فيه الاجهزة الامنية اللبنانية بالعمل على تفكيك شبكات وخلايا ارهابية مرتبطة بتنظيمات اصولية، تتجه الانظار نحو المخيمات الفلسطينية التي تعاني بدورها من هذه الخلايا والتصرفات الغريبة والتي يعاني منها بالأصل سكان هذه المخيمات.

ينتشر على الاراضي اللبنانية مخيمات فلسطينية ، لكن ابرزها مخيم عين الحلوة ،الذي يسلط الضوء عليه باستمرار، واعتباره وكر للإرهابيين والمخلين بالأمن وخارج نطاق القانون اللبناني، بالرغم من ان المخيم مسيطر عليه من كل المداخل من قبل الجيش اللبناني الذي يمنع الخروج والدخول اليه، دون التفتيش والتدقيق ، وبالرغم من التنسيق الوطيد مع السلطة الفلسطينية والتنظيمات الاخرى واللجان الشعبية ،لكنه يبقى مقصدا لكل شخص يحاول ان يؤمن لنفسه ملجأ من سلطة الدولة واحتمائه ببعض القوى التي بحد ذاتها مطلوبة للعادلة .

يحاول الاعلام في تقاريره تصوير المخيمات اوكاراً ارهابية ومناطق يسودها الخوف والهلع، في الوقت الذي لا يمكن فصل حال المخيمات عن محيطها وتداخلاتها المذهبية والاجتماعية، كما حال لبنان المرتبط مباشرة بصراع المنطقة .

وبالرغم من محاولة تضخيم الحدث واستغلاله سياسياً وإعلامياً، لابعد مدى ممكن، سعياً كما الآخرين لإعطاء الأولوية لمحاربة الإرهاب أو في الحد الأدنى من ممارساته، ولكن لا يمكن أصلاً تجاهل  وجود عناصر فاعلة وخلايا نائمة  في المخيم ومرتبطة بالجوار سهلت لقدوم  عناصر من تنظيم "القاعدة" الى المنطقة للاستفادة من هؤلاء العناصر.

ظهرت الفصائل الاسلامية المتشددة  في المخيم بشكل علني في العام 1990 ممثلة بعصبة الانصار والتي كان لها سجل حافل بالمشاكل مع الدولة اللبنانية واتهام مؤسسها محمود السعدي ابو "محجن" الفار عن وجه العدالة بحكم  قضائي باغتيال الشيخ نزار  الحلبي  مدير جمعية المشاريع الخيرية الاسلامية التابعة لحركة  الاحباش. مشاكل امنية متعددة في المنطقة كانت العصبة متهمة بها وبخاصة قضية القضاة الاربعة الذين اغتيلوا عام 1999 في مدينة  صيدا .

ولكن مع مرور الايام، استفادة الحركة وتغير خطابها السياسي واستمر نهجها المتشدد دينيا، ولكنها لم تكن جزءاً من القاعدة، وبالتالي تحولت الى جانب قوى سلفية  من الاقطاب الاربعة الاساسية التي تسيطر على المخيم : حماس،فتح الفصائل الفلسطينية الاخرى التي تسمى بالفصائل العشرة .

ومع نمو الاحزاب الاصولية في المنطقة العربية ومع فتح الحدود بعد 11 ايلول 2001 نمت بعض المجموعات التي كانت تخرج للقتال في العراق ضد  الاحنلال الاميركي ولنصرة اهل بلاد الرافدين تحت شعارات اسلامية متطرفة ومن هذه المجموعات من تورط اكثر وتوجه نحو تنظيم القاعدة واعتنق الفكر الجهادي.لكن مع فتح الملف السوري على مصراعيه بظل الاستقطاب المذهبي لم ينء المخيم والشارع الفلسطيني واللبناني والسوري عن التوجه نحو الأفكار المتطرفة التي تشير الى مدى الترابط بين المخيمات الفلسطينية وجوارها اللبناني والإقليمي . فالعديد من شباب المخيم المتحمس للقتال الى جانب المعارضة السورية ضد النظام و تبنيه للتطرف في منطقة يسودها الانقسام الافقي والعمودي . ذهب الشباب الى العراق عن طريق سورية وكان النظام السوري يسهل التنسيق مع القاعدة ،لكن في سورية كانت القاعدة تستفيد من تجنيد العديد من الشباب العربي وخاصة الفلسطيني بخلاياها واحيائها مجدداً واستخدامها في القتال ضد النظام .

اثناء تجوالك في المخيم، ينتاب الى السمع  اسماء شباب معروفة مرتبطة بتوجهات دينية مختلفة معروفة للجميع، معروفة المكان  ويتحركون في داخل المخيم ، لكن الجميع يجمع بعدم وجود مربعات امنية مقفلة لهذا الاشخاص، بل اشخاص ومعارف لهم يشكلون خلايا وربما نائمة مرتبطة بطريقة معقدة لا يمكنه من  التعرف عليها، ربما القوى الامنية وحدها تملك المعلومات عن طرق تركيبتها المعقدة لأنها تراقبها ويقع العديد منها في قبضتها .

وبالرغم من وجود صور لشباب قضوا في سورية، فالجميع لا ينكر وجود خلايا للقاعدة باسم"داعش او"النصرة" او" عبدالله عزام"، ولكن هناك اصرار على عدم معرفة تواجد هذه الخلايا لصعوبة تركيبتها وعلاقاتها المعقدة.

وبحسب مصدر موثوق في المخيم يقول بان التركيبة الايديولوجية لأعضاء التنظيمات الاصولية تختلف فيما بينها وحتى نوعية الاشخاص غير معروفة.

مخيم الطوارئ الذي اشتهر بوجود مجموعة ارهابية بعد سقوط مخيم نهر البارد ودحر حركة فتح الاسلام تجمع العديد من هؤلاء الفارين في هذا المخيم الذي يعتبر مركز ووكرا لجند الله وأنصار فتح الاسلام يشير احد الاشخاص بان هذا المخيم هو ليس له علاقة بمخيم عين الحلوة وهو مخيم لبناني متواجد بين المنطقة ميتة بين المخيم والمنطقة اللبنانية التي يسيطر عليها الجيش . وطبعا قد يكون في داخلها عناصر فلسطينية تنتمي الى هذه العصابات، كما الحال مع عناصر لبنانية ، وبالتالي هذه العناصر يشك بأمرها بكونها من تركيبة اجهزة امنية خارجية لها اهدافها الخاصة . وهنا يتدخل احدى الشيوخ فيقول:" ان كل هذه الاسماء والإطراف ليس لها علاقة بالإسلام ولكن تأخذ من الاسلام والدين غطاء لها وهربا من مشاكلها القانونية" .

وعند السؤال عن بعض الاسماء التي يتناوها الاعلام  كتوفيق طه  وأين يعيش، فكان الجواب بطريقة ساخرة " ليس متواجدون في المخيم كما حال ابو محجن محمود السعيد الذي ينتمي الى مخيمنا، ولكننا لا نعرف عنه شيء منذ ربع قرن" .

وبحسب المصدر الموثوق  بأن  اسامة الشهابي وأبو هيثم الشعبي  ونضال عبد الرحمن  وبلال بدر وزياد ابو نعاج متواجودين جميعهم في المخيم ، وهؤلاء لا صلة لهم بالقاعدة وأخواتها، وربما العامل الديني هو الطاغي على عملهم بمعنى انهم بستغلون الدين لممارسة اعمالهم ، لكن القضاء اللبناني يعرف مشاكلهم وعدم استطاعتهم الخروج، وبالتالي مشاكل المخيمات تفرض عليهم الاحتماء بالتوجهات الاسلامية التي تختلف عن القاعدة وأدبياتها.

 وفي الاطار، يقول فضل طه مسؤول  حركة حماس في مخيم عين الحلوة:" أننا نلتقي مع جميع القوى الاطراف والشخصيات في المخيم لان سلامة المخيم وأهله مسؤولية جماعية ووطنية، وبالتالي هذه المهمة تفرض علينا اللقاء مع الجميع ونلتقى مع كل القوى التي تطلق على نفسها  "الشباب المسلم"، التي تميل نحو التشدد من اجل مصلحة المخيم.

ومن هنا بتنا أمام مشهد قد يبدو سوريالياً يتمثل بوجود سلفية جهادية في المخيم ، ولكن دون وجود للقاعدة في المخيمات ، وجود لهذه الأخيرة امتد الى الضفة وغزة دون تواجد لتنظيمات سلفية جهادية يمكن أن تنضوي أو تعلن تماثلها التنظيمي والفكري مع تنظيم القاعدة.

هذا المشهد يمكن تفسيره جزئياً عبر الإشارة إلى أن معظم أعضاء خلايا القاعدة التي تم الكشف عنها في لبنان هم أعضاء سابقون في فصائل فلسطينية إسلامية ووطنية، كما كان الحال تماماً في قطاع غزة والضفة الغربية حيث وضعت  فيتو واضح على أي إعلان او وجود للقاعدة كي لاتستغل إسرائيل ذلك لحشد الدعم الإقليمي والدولي لسياستها ضد القطاع المحاصر أصلاً.

الباحث الاعلامي والخبير بالشؤون الفلسطينية  ماجد عزام  يرى ":ان حال التطرف التي تنتشر بين ابناء المخيم لا تختلف عن الشارع اللبناني والعربي عامة،  ولكن  طبعاً ثمة أسباب أو عوامل عامة لظهور القاعدة في بلد ما تتعلق بالاستبداد والفقر والبطالة والافتقاد إلى أي افاق، وهذا يحتاج الى أضواء وافاق واضحة في نهاية الأنفاق السياسية الاقتصادية الاجتماعية،وأن القاعدة حسب الابحاث  مثّلت غالباً احتجاجاً أو ردّ فعل متطرّف على بيئة أو ظروف هي أيضاً متطرفة وصعبة. والأساس هو نفسه بالنسبة لشباب المخيمات.  برأي عزام هو غياب المرجعية القيادة الواحدة  للشعب الفلسطيني ، وعدم دمج اللاجئين فى المجتمع ، اضافة الى  الاوضاع الاقتصادية الاجتماعية البائسة، وهم جزء من النسيج اللبناني والعربي.

ولكن  فى ظل شعور بالقهر والاستضعاف والتهميش مع اشتدادهذه الاوضاع،  اشتد التطرف والاستقطاب نحو المذهبية "السنية" بحيث  قضية كما "بوكو حرام" اهم بالنسبة للشباب الفلسطيني من  فلسطين.وبالرغم من ذلك لا يمكن توقع أن تتمكن خلايا القاعدة الجنينية من النمو في لبنان، حيث ستبذل الأجهزة اللبنانية والفلسطينية كل الجهود لخنق تلك الخلايا ووأدها في مهدها".

وعن ردة فعل الاهالي بحال تم اعتقال الابناء او ورود اسماً متورطاً بتفجيرما،  يقول الكاتب الفلسطيني د. وليد القططي:" قد تلجأ العائلة  في كثير من الأحيان ، للتبرؤ من الابن الضال الذي يرتكب أفعالاً تسيء إلى العائلة ،وذلك للتنصل من تبعة أفعاله المسيئة ، ولتنأ بنفسها من تحمل مسؤولية أعماله الخاطئة" .

 فالفكر الاسلامي الجهادي ليس غريبا عن المخيمات والتوجهات الاسلامية كانت موجودة من مخيم عين الحلوة في 1982 خرج الداعية عبدالله عزام ليؤسس في افغانستان حركة عرب الافغان الى جانب صديقه الشاب اسامة بن لادن لتبدأ مرحلة نشوء القاعدة من منطقة جلال اباد حيث كانت تواجه قوات الجيش السوفياتي .

 ففي حركة فتح كانت الكتيبة الطلابية ذات التوجه الاسلامي الاخواني ـومن سرايا قطاع الغربي الذي كان يقودها ابو جهاد الوزير نشأت حركة الجهاد الاسلامي.  لكنها كانت منضبطة جميعها  ومرتبطة بالمرجعية الفلسطينية، ولكن مع النكسة التي تعرضت لها منظمة التحرير  في بيروت عام 1982 وحالة التهميش للسنة في لبنان وتفشي اجهزة المخابرات الاقليمية والعربية في الجسم الفلسطيني بدأ طموح الشاب الفلسطيني يعبر خارج  الحدود التي لم تعد المشكلة الفلسطينية  تعنيه بل اصبح مقاتلاً بلا حدود لفقدان المرجعية السياسية والقيادة،  وأصبحت الثورة الخضراء مرجعا، و"القاعدة" هيكلاً ايديولوجياً والمخابرات جهازاً محركاً .

بقلم: د.خالد ممدوح العزي

مواضيع ذات صلة



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *