من داخل تركيا : العمالة السورية تستغيث من الجحيم التركي "معاملة غير منصفة .. حالات النصب كثيرة" | وكالة رحاب الاخبارية

من داخل تركيا : العمالة السورية تستغيث من الجحيم التركي “معاملة غير منصفة .. حالات النصب كثيرة”

23 أغسطس، 2015 4:39 ص 1830 مشاهدة

تحقيق : نوري معمو

ساعات العمل طويلة بأجور متدنية .. معاملة غير منصفة .. حالات النصب كثيرة .. غياب نصوص قانونية تضمن حقوق العمال وتحميهم من الاستغلال

العمالة السورية في تركيا أصبحت تعيش ما بين مطرقة جحيم الحرب في سورية وسندان أرباب العمل في تركيا، فقد أدى الصراع الدائر في سوريا بين المعارضة والقوات النظامية منذ اندلاع الثورة عام 2011 إلى موجات الهجرة الجماعية من معظم المحافظات السورية إلى البلدان المجاورة هرباً من جحيم الحرب واضطهاد النظام والبراميل المتفجرة أو من قبضة مجرمي تنظيم الدولة الاسلامية (داعش) حيث تجاوز العدد الإجمالي للاجئين السوريين في العالم بحسب آخر احصائية للأمم المتحدة أربعة ملايين يتوزعون في البلدان المجاورة لسورية (تركيا ولبنان والأردن والعراق ومصر).
وتحتضن تركيا ما يزيد عن مليون و700 الف لاجئ سوري حسب الاحصائيات الرسمية لدى السلطات التركية معظمهم يتوزعون في المدن التركية الجنوبية والغربية ومدينة اسطنبول بالإضافة الى المخيمات على الحدود السورية ـ التركية ويعاني معظم هؤلاء من ظروف معيشية صعبة للغاية نتيجة صعوبة الحصول على فرصة عمل تلبي الاحتياجات المعيشية لأفراد الاسرة النازحة في ظل ارتفاع الأسعار والغلاء المعيشي، وزاد في الطين بلة تأثير تقليص المساعدات المقدمة من المنظمات الأممية للاجئين السوريين وحرمان أغلبهم من المعونات التي كانت تقدم لهم سابقا .

نزوح جماعي

موجات الهجرة من سوريا خلال السنوات الأربع الماضية أدت إلى نزوح جماعي لمستويات مهنية وعلمية مختلفة وحتى رجال الاعمال لعدم توفر بيئة آمنة للعمل والاستقرار مما اضطرهم الى مغادرة البلد والبحث عن الامان وأصبحوا بلا عمل ولا دخل ويبحثون عن فرص عمل لسد ادنى مقومات المعيشة اليومية أمام ارتفاع تكلفة المعيشة حيث يتم تشغيلهم بدون تأمينات، ويتقاضون رواتب أقل من رواتب العمال الأتراك وفي الحقيقة العامل السوري يمتلك مهارات مهنية ويتفوق على العامل التركي في الانتاج واثبتوا جدارتهم في العمل بكافة قطاعات الانتاج سواء في المهن العلمية او في مجالات عمل مختلفة .

ونتيجة للوضع المتردي لمعظم السوريين الذين يعيشون في تركيا وعدم استقرار حالتهم المعيشية ومعاناتهم المستمرة لعدم توفر فرص عمل تؤمن لهم ادنى مقومات المعيشة أو تعرضهم للمضايقات ومعاملة غير منصفة والإساءات من رب العمل واستغلالهم وحرمانهم من الاجور والمستحقات في كثير من الحالات الموثقة (لاتعد ولا تحصى ) واجبارهم على العمل لساعات طويلة بأجور زهيدة او تهديدهم بالطرد من العمل في ظل غياب أية حماية قانونية لهم وتركهم يواجهون مصيرهم بأنفسهم ـ موقع رحاب نيوز ـ إلتقى ببعض العمال الذين تعرضوا للمشاكل مع ارباب العمل في اسطنبول وبعض المدن الاخرى حيث عبروا لنا سواء باللقاء المباشر او اون لاين عن معاناتهم ومشاكلهم في تركيا .

قصة حزينة

نبدأ بقصة عائلة “ميرفان” مؤلفة من ستة اشخاص تتراوح اعمارهم ما بين (12 ـ 22 ) من دون أب، ومن بينهم حالة إعاقة دائمة حيث فرت هذه العائلة من جحيم الحرب في سوريا وتنقلت ما بين حلب وعفرين وريفها بعد أن دمرت منزلها في حي الشيخ مقصود وهم يبحثون عن ملاذ آمن وشاءت لها الاقدار ان تستقر في اسطنبول.

ويقول ميرفان : انا شاب وحيد عملت منذ أول يوم.. راتبي لم يكفي ايجار البيت والفواتير ، رغبت شقيقتي الطالبة الجامعية والمتزوجة والاخرى عمرها لا يتجاوز 12 عاما أن يعملن معي في ورشة خياطة براتب بخس في البداية،  دفع صاحب العمل أجورنا ومن ثم قام بحجز نصف رواتبنا لديه بحجة انه سيدفع كامل المبلغ دفعة واحدة حتى بلغ حوالي ثمانية آلاف ليرة تركية وفي النهاية امتنع عن دفع المبلغ حتى جزء بسيط منه وقال لي :(روح اشتكي علي ما بدفع ولا قرش )، وقد حاولت مراراً ان احصل على المبلغ المذكور عن طريق السلطات ولكن بدون جدوى .. وأنا معيل للأسرة وبحاجة ماسة إليها فلدينا في الأسرة مرضى ومعاقين .

ويروي لنا “أحمد فتال” قصته فهو طالب في المرحلة الثانوية في بداية الأحداث بحلب ترك الدراسة ولجأ مع اسرته الى اسطنبول بحثا عن فرصة عمل او متابعة الدراسة …. فقال : “عملت في ورشات خياطة ومطاعم تعرضت كثيراً للإساءات والابتزاز من قبل رب العمل وكان يميز بين العمال السوريين والاتراك حتى يرفض العامل التركي بالحديث معنا لأننا سوريون ويعاملوننا اسوأ معاملة.. راتبي كان 700 ليرة في المقابل العامل التركي يتقاضى 1000 ليرة بنفس سوية العمل والانتاج ويجبروننا على العمل الاضافي بدون مقابل .

أجور متدنية

يحكي “عبدالحميد” قصته فهو من ريف حلب : “أعمل في الزراعة بريف الريحانية، راتبي اليومي 25 ليرة لقاء ثماني ساعات عمل، ولكن العمّال الأتراك الذين يعملون معنا يتقاضون أربعين ليرة فهناك تمييز واضح في كافة النواحي … ليس لدينا أمل إلا أن نعود إلى ديارنا ونعمل في حقولنا .
ويضيف “عبد الحميد” : “يتقاضى السوريون اللذين يعملون في الغالب في مجالات الخدمات والصناعة والورش أجورا أقل مما يتقاضاها التركي والمقدرة بحوالي 860 ليرة تركية شهرياً وهو الحد الأدنى للأجور ، ويقول “محمد اصلان” عامل في معمل بلاستيك بعنتاب : “العامل السوري يعمل 12ساعة براتب شهري لم يبلغ 600 ليرة تركية شهرياً .. نحن نعمل بجهود مضاعفة مقارنة بالعامل التركي” .

استغلال السوريين

ويتابع “عمر” الحديث عن قصته فهو أحد الشبان السوريين الذين توجهوا إلى تركيا وعمل منذ عام في عدد من المنشآت الصناعية التركية في مدينة اسطنبول وحدثناً قائلاً : “أستيقظ في الساعة السابعة صباحاً، عملي يبدأ في الساعة الثامنة صباحاً وحتى الثامنة مساءً وبالتالي أعمل لمدة أثنتي عشرة ساعة لقاء 1000 ليرة في الشهر … نعمل لأوقات طويلة بأجور أقل من الأجور التي يتقاضاها العامل التركي، إضافة لعدم حصولنا على تأمين صحي واجتماعي وبدل مواصلات لأن التاجر التركي يحاول استغلالنا نتيجة معرفته بأن عملنا غير نظامي ولا يوجد جهة رسمية نقدم لها شكوى رسمية ، فالمعدل الطبيعي لساعات العمل في جميع دول العالم هو ثماني ساعات إلا أن العامل السوري في تركيا يعاني من زيادة في عدد ساعات العمل، فبعض الأعمال تصل إلى حد الأربع عشرة ساعة يومياً، ويقول “هوزان حاجي” : وهو طالب في كلية الاقتصاد … “السوري له قصة مع الهم دائما، فكنا نعيش في سورية حياة قاسية جدا قبل الثورة وبعدها.. واليوم نعيش في تركيا حياة اصعب نعمل في كل مجال خارج مهنتنا حتى نلبي احتياجاتنا المعيشية لن أستسلم وسأعود إلى دراستي .

أصحاب المهن العلمية لا يزاولون مهنهم

أما عن أصحاب المهن فلا يختلف حالهم قليلاً عن بقية العمالة السورية، حيث يجد أصحاب الشهادات العليا صعوبة في ممارسة عملهم بتركيا، ويحتاجون إلى تعديلها رغم أنهم يحملون شهادات عليا من أرقى جامعات العالم وقد إلتقت “رحاب نيوز” بالعديد من حاملي الشهادات الجامعية، ومنهم مارسوا مهنة المحاماة ومهندسين وصيادلة ولديهم خبرات وكفاءات علمية جيدة لا يجدون فرصة عمل ضمن مجال اختصاصهم البعض يعملون في الاعمال الحرة وورشات خياطة وحتى في قطاع الصناعات والمعامل والانشاءات واعمال البناء المختلفة والمطاعم وبالتالي يضطر للعمل في غير اختصاصه أملاً في توفير ظروف معيشية أفضل لأسرهم .

يروي “شيار” مهندس مدني والخريج حديثاً من جامعة حلب : “أعمل في مجال التصميم على الحاسب، تقدمت للعمل في مكتب هندسي رفضوني بحجة عدم إتقاني اللغة التركية ومجال عملنا يتطلب اتقان اللغة الانكليزية وبرامج التصميم على الحاسوب وانا اعمل حاليا في مجال السياحة كوني اتحدث الانكليزية بشكل جيد.. علماً بأن أرباب العمل لا يحترمون حاملي الشهادات حتى اذا كان استاذ جامعي .

وفي تجربة مختلفة أسس بعض اللاجئين السوريين أعمالاً خاصة بهم في المدن التركية، تمكنهم من توفير دخل اقتصادي لهم يقول “أبو محمود” مهندس كان يملك معملاً للمنتجات البلاستكية : “تركت معملي في حلب منذ أكثر من ثلاث سنوات ولم يبق لدي شيء املكه واستقر بي الوضع في اسطنبول وحاولت كثيرا أن أجد عملا لائقا لعمري فلم استطع وكل ابنائي تركوا الدراسة وتوجهوا الى سوق العمل وبعد سنتين فتحت مخزنا صغيرا لبيع المواد الغذائية السورية لتأمين لقمة العيش لأسرتي .

تهديد بالطرد وعدم الأمان

يعاني السوريون من عدم الأمان في العمل، فكثيراً منهم يطرد بعد فترة قصيرة من العمل، ويحرمون من أجورهم …  ويروي “عصام” الذي يعمل في مجال الالمنيوم : أنه “بعد شهرين من الانتظار وجدت ورشةً أعمل معها، عملت معهم لمدة شهرين ولكن لم يعطوني سوى أجر شهر واحد ولا توجد جهة نشتكي إليها في تركيا .

أرباب العمل: لا تمييز بين العمال

حاولنا كثيرا التواصل مع الجهات المعنية وأرباب العمل ولكن تم الرفض من قبلهم لننقل مشاكل العمال وهمومهم ومعاناتهم اليومية من تصرفات ارباب العمل واستغلالهم وفرض ظروف عمل مجحفة بحقهم والتمييز الممارس بحقهم وحرمانهم من كامل مستحقاتهم . وبعد جهود حثيثة استجاب صاحب ورشة عمل لسؤالنا حول التمييز بين العمال السوريين والاتراك حيث رفض فكرة التمييز بين العمال لديه وإكتفى بالقول : جميع العمال لديه يحصلون على كامل حقوقهم بدون تمييز .

مشاكل كثيرة تواجه الاتراك من توافد السوريين

كما أدى ارتفاع عدد عمال السوريين في تركيا إلى خلق مشكلة حقيقية تواجه العمال الاتراك أيضا حيث زادت حمى المنافسة على فرص العمل والعقارات من أجل السكن وارتفاع الأسعار بشكل عام حسب أحاديث المواطنين الاتراك حيث يقول ” اوميد اوزيل” عامل تركي : “كان الوضع قبل ثلاث سنوات أفضل من اليوم بسبب قدوم اعداد كبيرة من السوريين الى اسطنبول .. العامل التركي تضرر كثيراً وبعضهم فقد فرصة عمله أو انخفض اجورهم بالتزامن مع الارتفاع الجنوني لأسعار السلع والمواد الغذائية الاساسية والعقارات .. ونحن نعيش اليوم أزمة سياسية وعدم استقرار الوضع الامني والشعب التركي اليوم متخوف كثيرا من الوضع الحالي .

نصيب الفرد من الدخل تراجع

وبحسب الإحصائيات الرسمية فهناك تراجع بنصيب الفرد من الدخل في الدول المجاورة بأكبر نسبة في لبنان والتي بلغت 11%، في حين لم يتجاوز التراجع في تركيا ومصر والأردن 1.5%، مما يعكس الأثر الكبير في لبنان الذي توجد به أكبر نسبة من اللاجئين السوريين.

رأي قانوني

إن الوضع القانوني للعمالة السورية في النظام التركي مازال غامض حتى الآن، فبما يتعلق بتوافد السوريين ووجودهم على الأراضي التركية منذ اندلاع الثورة وخاصة ما يتعلق بضمان حقوق العمالة السورية والحماية القانونية للاجئين السوريين وحقوقهم فوق الأراضي التركية على غرار الدول الأوروبية الأخرى … تقول المحامية “برفين خليل” : “يجب على المعنيين سن تشريعات العمل في تركيا لمواجهة الوضع الجديد الذي خلق بعد توافد السوريين بأعداد كبيرة الى بلادهم عن طريق وضع قوانين ناظمة لعمل السوريين في تركيا (تحديد الحد الادنى للأجور – ساعات العمل – ضمان الحقوق القانونية للعمال السوريين وحمايتهم من استغلال أرباب العمل – تحديد القطاعات التي يمكنهم العمل بحيث لا يتأثر المجتمع التركي بعملهم ) .

رأي نفسي ومهني

ولمعرفة نتائج اساءة التعامل مع العمال ومدى تأثيرها على الحالة النفسية وأداء العامل وانعكاسها بشكل سلبي على الانتاج يقول الاستاذ “علي جعفر” مختص في الإرشاد النفسي والمهني : يجب توفير بيئة مريحة آمنة للعمل لتتمتع بإنتاجية عالية ولا يجوز توجيه إساءة للعامل فقد تؤدي إلى إرهاقه بالتالي تؤثر بشكل سلبي على أداء العامل وانخفاض الانتاج وفي هذه الحالة يجوز ابتكار اساليب ملاءمة للمعاملة لتخفيف هذه الضغوط أو إزالتها .. وغالبا يكون التأثير على حجم الانتاج وسلامة العامل لأنه يعمل بتوتر فقد لا ينتبه الى خطورة بعض الادوات وإلى عدم اكتراث العامل بتطوير نفسه مهنياً .

الحلول المقترحة

تأمين فرص عمل للسوريين في تركيا لكل الشرائح بحسب الاختصاص والمؤهلات العلمية والمهنية ولحاملي الشهادات الجامعية بما يتلاءم مع طبيعة عملهم والاختصاص وتأمين فرص عمل خاصة للمحتاجين من النساء لسد حاجاتهم المعيشية وذلك بتدخل منظمات مدنية تعني بالحقوق ومساعدة اللاجئين في تأمين حياة كريمة لهم باعتمادهم على الذات بتوفير فرص عمل لهم من دون ان يشكلوا عبء على الحكومة التركية ويمكن من خلال :
– ايجاد قاعدة بيانات للعمال السوريين المتواجدين في تركيا لمعرفة أعدادهم وخبراتهم وهذا يقع على عاتق الحكومة السورية المؤقتة .
– بناء قاعدة بيانات للمستثمرين السوريين ومجالات اهتماماتهم، لاستيعاب أعداد كبيرة من العمال السوريين.
– إحداث المنطقة الحرة على الحدود السورية التركية لاستقطاب أكبر عدد من رجال الاعمال السوريين والأتراك، بهدف استيعاب أكبر عدد من العمال .
– إحداث شركات مساهمة سورية ـ تركية يساهم في رأسمالها رجال الاعمال السوريين والاتراك، بهدف توفير فرص عمل للعمال السوريين .

لنا كلمة

من خلال اللقاءات مع العمال السوريين وإفاداتهم …. تبين أن هناك الآلاف من السوريين في تركيا يعملون في ظروف توصف بالقاسية جدا من حيث سوء المعاملة وساعات العمل الطويلة والأجور الزهيدة التي يتلقونها والتمييز وتهميش حقوقهم ناهيك عن حالات النصب من قبل أرباب العمل التي يتعرضون لها حسب شهادات العمال السوريين …. فهل أصبحت العمالة السورية في تركيا ما بين مطرقة جحيم الحرب في سورية وسندان أرباب العمل في تركيا ؟! .

مواضيع ذات صلة



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *