عبد الباري عطوان يكتب: إسقاط داعش لطائرة أردنية “سابقة” مرعبة

24 ديسمبر، 2014 1:15 ص 228 مشاهدة

عبد الباري عطوان – الرأي اليوم

لم يكن متوقعاً أن تنجح دفاعات “الدولة الاسلامية” في اسقاط طائرة حربية من طائرات “التحالف الستيني” الذي يقصف مواقعها ليل نهار، لأن الطائرات المستخدمة في هذا القصف “اف 16″ حديثة ومتطورة ، ولان الانطباع السائد عدم وجود صواريخ مضادة لدى اي من الأطراف العربية قادرة على اسقاط هذا النوع من الطائرات.

نشرح أكثر ونقول أن طائرات “اف 16″ هذه، والاسرائيلية والامريكية منها على وجه الخصوص، أغارت مئات المرات على سورية والعراق، ومازالت، وكنا نتلهف على اسقاط ولو واحدة منها، لوضع حد لعربدتها ولكن دون جدوى، وكأن قدر العرب والمسلمين انتظار “طيور ابابيل” للقيام بهذه المهمة التي ظلت مستحيلة حتى اليوم.

دفاعات “الدولة الاسلامية” نحجت في كسر هذه القاعدة، وسجلت سابقة مهمة في هذا المضمار، ولكن للأسف ضد طائرة أردنية من الطراز نفسه “اف 16″ اسقطتها وأسرت طيارها الشاب، ومن المفارقة أنها حصلت على هذه الصواريخ الامريكية الحديثة من المعارضة السورية “المعتدلة” وحصلت عليها لاسقاط طائرات حربية سورية، وسبحان مغير الأحوال.

هناك أسئلة كثيرة تفرض نفسها في هذا الصدد، أبرزها هو عما إذا كانت الطائرات الحربية التي تبيعها أمريكا إلى حلفائها العرب من النوع “المنزوع الدسم العسكري” أي اقل كفاءة، وتحرم عليها أنظمة متقدمة تحول دون اسقاطها، وإذا كان هذا الافتراض غير صحيح، فهل كفاءة الطيارين الحربيين العرب أقل بكثير من نظرائهم الامريكيين والأوروبيين، ولماذا؟ ومن المسؤول؟

لا نستطيع تقديم إجابة على هذين السؤالين، لأننا لسنا خبراء عسكريين أولا مثل أولئك الذين يظهرون على شاشات الفضائيات يحللون لساعات، لنكتشف بعد ذلك أن معظم تحليلاتهم تنتمي إلى مدرسة قديمة تجاوزتها التكنولوجيا والنظريات الحديثة، ولان الحكومات العربية تتكتم على المعلومات المتعلقة بأسلحتها، وطائراتها، باعتبارها سرا مقدسا، على طريقة “كمساري” الحافلة المصرية العامة الذي يعلن للركاب عن محطة المطار العسكري “السري” القادمة حتى يتحضروا للنزول مبكرا بسبب الزحام الشديد ثانيا.

***

دخول الأردن في التحالف الدولي المضاد لـ”الدولة الاسلامية” وإرساله طائرات وقوات خاصة لقتالها وقواتها في العراق وسورية كان وما زال موضع اعتراض قطاعات شعبية أردنية واسعة، لأن الاردن دولة صغيرة، بإمكانات محدودة، وكان يفترض أن يترك هذه المهمة للدول الأكثر تعرضاً للتهديد من قبل هذه الدولة، والأضخم تسلحياً ومالياً مثل المملكة العربية السعودية ودول الخليج.

يستطيع المسؤولون الاردنيون ان يبرروا أي رفض للمشاركة في هذا التحالف الدولي بالمعارضة الشعبية، وإنتقاداتها المتصاعدة لسياسات التدخل العسكري الخارجي في دول عربية التي تتبناها الحكومة، مثل إرسال قوات خاصة للقتال في ليبيا والبحرين والسعودية، وأخيراً في سورية والعراق، وتساؤل هذه المعارضة، والاسلامية منها على وجه الخصوص، عن عدم ارسال هذه الطائرات لقتال اسرائيل التي خنقت مدينة القدس المحتلة بمستوطناتها ومستوطنيها، وتغض حكومتها النظر عن الاقتحامات المستمرة للمسجد الاقصى وباحته، والاعتداء كل عامين على قطاع غزة، وتصر على اجبار العرب على اعترافهم بها كدولة يهودية عنصرية.

المشكلة أن معظم هذه التضحيات والخدمات العسكرية التي يقدمها الاردن للولايات المتحدة وحلفائها الخليجيين تبدو “شبه مجانية”، بدليل أن ديون الاردن تتناسخ بحيث وصلت أكثر من عشرين مليار دينار في أعوام محدودة، بينما تشتكي الميزانية الاردنية عجزا سنويا أكثر من مليار دينار، رغم رفع الدعم عن المحروقات والكهرباء وزيادة معاناة المواطن الفقير المسحوق بالتالي.

مشاركة الطائرات الحربية الاردنية بـ”حماسة” تحسد عليها في قصف قواعد “الدولة الاسلامية” وتجمعات قواتها، خطوة خطيرة غير محمودة العواقب، وثمنها ربما يكون باهظاً، داخلياً وخارجياً، واسقاط طائرة الملازم الاول معاذ الكساسبة، هو اول هذه الاثمان وربما لن يكون آخرها، فـ”الدولة الاسلامية” لها امتدادات في الاردن، وتحظى بتعاطف ملموس في بعض الاوساط الدينية المتشددة، ولا يجب ان ننسى ان ابو مصعب الزرقاوي كان من ابرز مؤسسيها بصفة مباشرة او غير مباشرة، ويعتبره الكثير من الشباب الاردني المحبط من الاهانات الامريكية والاسرائيلية “بطلا” وقدوة حسنة.

إرسال طائرات حربية اردنية مقاتلة للمشاركة في الحرب على “الدولة الاسلامية” طابعه “رمزي”، وسواء شاركت هذه الطائرات في الحرب او لم تشارك، فانها لن تغير موازين القوى على الارض، فالاردن ليس دولة عظمى، ولا يملك مئات او آلاف الطائرات الحديثة المتطورة، وكان يفضل ان يظل بعيدا عن المغامرات الامريكية العسكرية التي تنتهي دائما بكوارث للدول المتدخلة فيها مثل العراق وسورية واليمن وليبيا.

القوات الامريكية “هربت” من العراق بسبب المقاومة البطولية وتعاظم الخسائر المادية والبشرية، ولكن الاردن لا يستطيع ان يهرب من المنطقة، او من الجماعات العنيفة والارهابية المتواجدة فيها بكثرة هذه الايام وتزداد قوة وصلابة وتمددا، واستقراره الامني هو رصيده ورأسماله وثروته الحقيقية.

نشعر بالحزن والألم لأسر هذا الطيار الاردني الشاب، خاصة بعد أن شاهدنا بالصوت والصورة الطريقة التي أسر بها، ولكن هناك من يشعر بالفرح والانتصار على الجانب الآخر، لانه يتطلع للانتقام والثأر، ويجادل بأن هذا الطيار كان يقصف عربا ومسلمين، سواء كانوا يقاتلون في صفوف “الدولة الاسلامية” أو من المدنيين الابرياء الذين إندس جنود الدولة في صفوفهم أو نصبوا مدافعهم وصواريخهم واستحكموا بسياراتهم بالقرب منهم ومنازلهم.

السلطات الاردنية ستجد نفسها في حرج شديد، وبعد أسر هذا الطيار الشاب أمام اهله في الجنوب “الكرك” الذي يضم أحد أكبر مخازن التعاطف مع “الدولة الاسلامية” والفصائل الجهادية الاخرى في الأردن قاطبة، مثلما تجد نفسها في حرج أكبر أمام برلمانها الذي اعترض عدد لا بأس به من نوابه على المشاركة في الضربات الجوية في سورية والعراق بزعامة امريكا المكروهة في نظر الغالبية الساحقة من العرب والمسلمين، وعلى رأسهم الشعب الاردني.

أمن الاردن واستقراره يعتبر أكثر أهمية من أمن امريكا وأوروبا ومن أمن النفط العربي وإمداداته، الذي يحاول التحالف الدولي الستيني الجديد تحقيقه في نظر الغالبية العظمى من الاردنيين من شتى الاصول والمنابت، خاصة ان “الدولة الاسلامية” ليست بعيدة عن حدوده، ووصلت قبل ثلاثة أشهر إلى معبر طريبيل مع العراق واحتلته، وانسحبت منه بعد أن أوصلت رسالتها واضحة المعاني إلى السلطات الاردنية.

***

الحكومة الاردنية ستجد نفسها مضطرة، وفي ما هو قادم من أيام، للدخول في مفاوضات مؤلمة، مباشرة أو غير مباشرة، مع “الدولة الاسلامية” للافراج عن طيارها الشاب، وتقديم تنازلات كبيرة في هذا الصدد، من بينها الافراج عن عشرات وربما مئات المعتقلين من الاسلاميين في سجونها، وربما يكون على رأسهم الشيخ ابو محمد المقدسي، والسيدة ساجدة الريشاوي التي فشل حزامها الناسف في تفجير أحد فنادق العاصمة الاردنية، وتنتمي إلى حركة “التوحيد والجهاد” التي يتزعمها أبو مصعب الزرقاوي لخطأ ما في التجهيز والاعداد.

عملية الأسر هذه جعلت من أيام الاردن الحالية صعبة ومؤلمة، وستكون أكثر صعوبة وإيلاماً إذا ما أقدمت “الدولة الاسلامية” على اعدام هذا الطيار الشاب، أو تمكنت من أسر طيارين آخرين أو أعضاء في قوات خاصة أردنية تقاتل الآن بشكل سري ضمن وحدات امنية استخبارية امريكية وبريطانية وفرنسية في العراق وسورية مثلما تؤكد بعض التقارير الغربية رغم النفي الرسمي الاردني.

نتمنى أن لا تعدم “الدولة الاسلامية” هذا الطيار الاردني الاسير، وأن تتعاطى معه بكل الرحمة والتسامح، وأن تستخدمه كورقة قوية في عملية تبادل، وهو أولا وأخيرا ضحية سياسات يراها الكثيرون في الأردن خاطئة بل كارثية.



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *