عبد الباري عطوان يكتب: عن المعارضة السورية ما بين قمة الدوحة وقمة شرم الشيخ

26 مارس، 2015 9:31 ص 305 مشاهدة

 

المعارضة السورية تواجه افلاسا ماليا وسياسيا بسبب تخلي العرب وامريكا عنها.. من مقعد سورية في قمة الدوحة الى التجاهل الكلي في قمة شرم الشيخ.. ما هي اسباب هذا الانقلاب المفاجيء؟ ومن هم النجوم الجدد للفضائيات العربية في المرحلة المقبلة؟

بين القمة العربية في الدوحة في آذار (مارس) عام 2013 والقمة العربية التي ستبدأ اعمالها في شرم الشيخ السبت المقبل، جرت، وتجري، مياه كثيرة تحت جسر المعارضة السورية، فبينما احتلت هذه المعارضة مقعد سورية في الاولى، واعتلى السيد معاذ الخطيب رئيس الائتلاف منبرها خطيبا وسط تصفيق الزعماء المشاركين، لم يتلق خلفه السيد خالد الخوجة دعوة رسمية او غير رسمية لحضور القمة المقبلة، الامر الذي يكشف مفارقات وتقلبات الموقف العربي الرسمي تجاه الملف السوري، وهي محزنه ومهينة في كل الاحوال، لمن تأملوا خيرا بالعرب وامريكا.

السيد احمد طعمة رئيس الحكومة السورية المؤقتة الذي من المفترض ان يدير الاراضي التي جرى “استعادتها” من النظام في دمشق، ويكون على رأس حكومة المرحلة الانتقالية ذات الصلاحيات الكاملة حسب وثائق مؤتمر جنيف، اعلن قبل يومين افلاس حكومته، بسبب وقف دعم دولة قطر ودول خليجية اخرى، وخيّر المواطنين في اداراتها بين الاستقالة او الاستمرار في اعمالهم كمتطوعين، كما جرى حل “الهيئة السورية للعدالة الانتقالية” التي يرأسها الدكتور رضوان زيادة الذي لمع نجمه في الاعوام الاولى للثورة السورية بسبب ظهوره المكثف على الفضائيات العربية والاجنبية.

السؤال الذي يطرح نفسه هو عن اسباب هذا الانقلاب الحاد في الموقف العربي من المعارضة السورية، فبعد ضخ المليارات ومئات الاطنان من الاسلحة، وتسخير الآلة الاعلامية الجبارة في خدمتها الى تجفيف مفاجيء لكل قنوات الدعم وفي اقل من اربع سنوات؟ ماذا حدث بالضبط، وبهذه السرعة؟

الجواب هو فتش عن امريكا، و”الدولة الاسلامية”، والاتفاق النووي الوشيك مع ايران والصعود الحوثي في اليمن، والهروب الثاني للرئيس اليمني عبد به منصور هادي من عدن بعد صنعاء وفي اقل من شهر، فهذه هي المفاتيح السحرية التي لا يمكن تجاهلها لفهم ما يجري للمعارضة السورية بل والمنطقة الشرق اوسطية برمتها.

المعارضة السورية مثلها مثل الشعب السوري الطيب الشهم المضياف تعرض لابشع انواع الغدر والتضليل في تاريخ سورية الحديث، وللأسف من بعض العرب الذين صوروا لهم ان ايام النظام السوري معدودة، وان دخول طلائع الثوار العاصمة دمشق بات حتميا ووشيكا.

الادارة الامريكية التي مولت ودعمت آمال هذه المعارضة في النصر تخلت عنها، بعد ان استخدمتها مثل مناديل الورق كسلم للوصول الى اتفاق مع ايران يتوج الاخيرة قوة اقليمية عظمى يمكن الاعتماد عليها كحليف استراتيجي.

النظام السوري راهن على ايران و”حزب الله” وروسيا البريكس، علاوة على قوات جيشه، والشق الموالي له من الشعب السوري، وهو الاكبر حسب معظم التقديرات، فكان الصمود حليفه، والخروج من عنق الزجاج، ولو مؤقتا، ثمرة هذا الصمود ودعم الحلفاء.

المعارضة السورية راهنت على امريكا والانظمة العربية “المعتدلة” و”الجامعة العربية”، ومحطات “الجزيرة” و”العربية” وابناء عمومتها، فوجدت نفسها في حال افلاس مالي وسياسي فجأة دون اي مقدمات، بعد السجاد الاحمر وفنادق الخمس نجوم، والمكافآت المالية الضخمة.

اسقاط النظام السوري لم يعد يحتل مرتبة متقدمة على سلم اولويات الولايات المتحدة الامريكية، ولا حتى الدول العربية التي تدور في فلكها، فمنذ ان اعلن جون كيري وزير الخارجية انه مستعد للتفاوض مع الرئيس بشار الاسد، واعلن قبله ستيفان دميستورا المبعوث الدولي ان الرئيس السوري جزء من الحل جرت عملية اطلاق رصاصة الرحمة على المعارضة السورية “المعتدلة” او “غير المعتدلة”، وصدر قرار بشطبها واطفاء النور عنها.

الحرب على “الدولة الاسلامية” بهدف القضاء عليها باعتبارها “الخطر الاكبر” باتت الاولوية في الوقت الراهن على الاقل، وتحولت منظومة اصدقاء الشعب السوري في لمح البصر الى تحالف ستيني لمواجهة هذا الخطر.

لا نستبعد ان تتغير اولويات امريكا وحلفائها مرة اخرى الى محاربة التحالف “الحوثي الصالحي” الذي يكتسح المدن اليمنية لواحدة تلو الاخرى، وبدق ابواب عدن ولن نفاجأ باستبدال المعارضة السورية بالمعارضة اليمنية المسلحة من قبل امريكا وحلفائها في لعبة الامم الجديدة، فكل شيء جائز في هذا الزمن العربي المغرق في ردائته.

الفضائيات العربية التي مارست التضليل والخداع في ابشع صورهما طوال السنوات الاربع الماضية باتت تبحث الآن عن نجوم جدد يحلون محل النجوم السوريين الذين خبا نجمهم، وعن لاجئين آخرين بعد ان باتت قصص معاناة السوريين في مخيمات اللجوء مكررة، واقل اثارة وجذبا للمشاهدين المخدوعين.

هل نختم بالقول: كل معارضة سورية “معتدلة” وانتم بألف خير؟ هذا هو واقع الحال كما يراه كثيرون ونحن من بينهم.



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *