فايز سارة: الحكومة السورية المؤقتة في الميزان

20 يوليو، 2014 7:07 م 120 مشاهدة

428c04b9-3cba-4cd1-9076-f12d22bf6e77_3x4_142x185

يجتمع اليوم الائتلاف الوطني للبحث في أمور أبرزها الحكومة السورية المؤقتة، وقد مضى على تأليفها نحو عام، صار من المطلوب تقييم أدائها، وتطوير تجربتها في ضوء ما قدمته، وما أحاط بها من تأثيرات داخلية وخارجية، وتبدو خطوة الائتلاف ضرورية من جوانب مختلفة، تجد لها تكثيفا فيما صارت إليه أحوال السوريين في الداخل كما في الخارج، وهي المهمة التي تكفلت بمعالجتها الحكومة السورية المؤقتة طبقا لمنطوق تشكيلها باعتبارها جهازا تنفيذيا للائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة.

وبحث موضوع الحكومة السورية المؤقتة يتصل مبدئيا بأمرين أساسيين، أولهما الظروف المحيطة بالحكومة، وثانيهما الإمكانيات المتوفرة في الحكومة، ولكل واحد منهما تأثير قوي في الموضوع.

لقد تشكلت الحكومة في ظروف سورية صعبة، وهي الآن أصعب، أي أن الحكومة عاشت عاما من ترديات الوضع السوري، ولعل الأكثر اتصالا فيه بموضوع الحكومة كان في ثلاثة أمور، أولها أن الدعم الدولي والإقليمي للقضية السورية تراجع مقارنة بما كان عليه في وقت سابق، وهو تراجع سياسي وإغاثي وعسكري في وقت كانت تتصاعد فيه الاحتياجات السورية للمساعدة في المجالات تلك، وهذا يعني أن الحكومة لم تحظ بمساعدات كافية، تساعدها على القيام بمهماتها في مساعدة السوريين وتأمين ظروف أفضل لحياتهم في الداخل أساسا كما في البلدان المضيفة، التي بات عدد السوريين فيها يقترب من خمسة ملايين نسمة.

والأمر الثاني يمثله التمدد الذي حدث لقوى التطرف والإرهاب المزدوج لقوات النظام من جهة، ومن جهة ثانية لجماعات التطرف في المناطق التي كانت تشكل مجالا حيويا ومحتملا لنشاط مباشر للحكومة ومؤسساتها وأجهزتها التنفيذية في الشمال وشرق البلاد سواء من حيث القدرة على تقديم الخدمات والإغاثة وإقامة مشاريع التنمية الاقتصادية والاجتماعية وغيرها، أو من حيث السيطرة على الموارد الوطنية هناك من نفط وطاقة ومحاصيل استراتيجية إضافة إلى المعابر لتعزيز مواردها وعائداتها، وقد آل الأمر إلى سيطرة واسعة لـ«داعش» وأخواتها في تلك المناطق، ووجود معزز لقوات النظام في بعضها، مما أوقف أو عطل برامج الحكومة أو ما جرى الاشتغال عليه بمستوى ما.

والأمر الثالث أن الترديات الأمنية والعجز عن تقديمات الدعم الإغاثي الغذائي والطبي والتعليمي، وعوامل أخرى، دفعت بالمزيد من السوريين، ولا سيما من مناطق الشمال وشرق البلاد، للخارج، وهذا ضاعف احتياجاتهم ونوعها بشكل غير مسبوق، كانت الحكومة أعجز من الوفاء بها أو فعل شيء في مواجهة تداعيات الكارثة المستمرة.

أما في موضوع قدرات الحكومة، التي لم تكن الظروف المحيطة بها تساعدها، فإن ثمة ثلاثة أمور أخرى، أثرت على أدائها وعلى نتائج الأداء، كان أولها غياب أي إرث أو تاريخ مؤسسي لدى الحكومة المؤقتة، وهذا أمر ينطبق على رئيسها ووزرائها وأغلب الموظفين فيها، وباستثناء أحد الوزراء الذي انتهى إلى الاستقالة، لم تكن هناك خبرة في إدارة الأعمال الحكومية على المستوى الوزاري، إضافة إلى أن ثمة نزوعا سلبيا طبيعيا لدى «المعارضة» وأغلب جهاز الحكومة من المعارضين إلى تعامل حذر وشكاك مع الحكومة، حتى لو كانت تلك الحكومة حكومتهم.

والأمر الثاني المتصل بالحكومة، يتمثل في عدم فهمها لطبيعتها ووظيفتها. وقد تشكلت الحكومة على اعتبارها حكومة خدمية أساسا، لا حكومة سياسية، طبقا لمحتويات وثائق الائتلاف الذي أسس الحكومة وأعطاها الثقة، ونتيجة اختلاطات متعددة، بدت الحكومة وكأنها تسير نحو القيام بدور سياسي على نحو ما جاءت تصريحات كثيرة لكبار المسؤولين فيها من الرئيس والوزراء والمستشارين، وكذلك في زيارات قامت بها وفود من الحكومة إلى عدد من الدول، وتعدى الأمر ذلك في تجاوز صلاحياتها، كما في قرار رئيسها إقالة رئيس أركان الجيش الحر وإحالة المجلس العسكري على هيئة الرقابة، والأمران ليسا من اختصاصات الحكومة، لقد كان ذلك أحد وجوهه نتيجة تسييس الحكومة، وهي التي كان يفترض أن تبقى خارج التسيس.
والأمر الثالث أن سياسات الحكومة وممارساتها بدت متناقضة، ولا تسير وفق خط محدد وباستقامة واحدة نحو أهدافها. وقد انعكس ذلك في تركيبها الإداري والوظيفي وفي صرفياتها وفي تعيين الموظفين ومزايا بعضهم، كما فيما قدمته للمناطق السورية من مساعدات ومشاريع، لم تراع الاحتياجات الحقيقية، وفي أحيان لم يتم تنفيذ الالتزامات المعلنة.

خلاصة الأمر في موضوع الحكومة السورية المؤقتة، أنها تجربة ليست إيجابية في نتائجها العامة. ليس لأن الظروف المحيطة كانت سيئة، فهذه كان يمكن التعامل معها بطرق وسبل أخرى، لو كانت الحكومة تملك كما من القدرات أفضل مما تبين أنها تملكه، مما يؤكد أن المشكلة ليست في الفكرة وإنما في تجسيدها، فالسوريون يحتاجون اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى قوة تنفيذية تساعدهم في مواجهة الكارثة التي أوقعهم فيها نظام الأسد، قوة توفر لهم خدمات الأمن والتعليم والصحة، وتقدم لهم إغاثة وتساعدهم في التنمية الاقتصادية والاجتماعية وفي تحسين ظروف الحياة، ودفعهم نحو الوصول إلى سلام وإلى نظام ديمقراطي يوفر الحرية والعدالة والمساواة.

بقلم: فايز سارة
الشرق الأوسط

مواضيع ذات صلة



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *