قراءة جديدة في احداث 1958 اللبنانية

9 أبريل، 2014 12:39 م 148 مشاهدة

خالد ممدوح العزي

الازمة اللبنانية عام 1958 في ضوء ووثائق يكشف عنها لأول مرة ، للدكتور عباس ابو صالح ، ان الازمة اللبنانية عام 1958 اخطر ازمة  سياسية واجهها لبنان في تاريخه المعاصر ،إلا اذا  استثنينا  الحرب الاهلية التي اندلعت عام 1975 كما يكتب المؤلف الذي يحاول الربط بين الاسباب التي  ادت لاندلاع الازمتين  من خلال التداخل الداخلي  والربط في العوامل الاقليمية والدولية التي كانت تحرك الازمتين بالرغم من مشروعية الاسباب التي فرضت نفسها على قوى الصراع الداخلي . دراسة علمية وأكاديمية حاول الكاتب اظهارها من خلال قراءة جديدة لكل العوامل التي ادت لاندلاع هذه الازمة مما ارتبطت مباشرة بالدول الاقليمية والدولية بسبب موقع لبنان الجيو-سياسي والأحلاف التي كانت لاعبة على المسرح السياسي وارتباط القوى اللبنانية معها .

يتطرق الكاتب في الفصل الثاني الى الاسباب المباشرة للازمة اللبنانية ويرجعها لعدم الاهتمام بالإصلاح الاداري  والسياسي الذي كان مطلبا مشروعا من المعارضة اللبنانية والتي كانت تثيرهما منذ العام 1946. 

وقد تشكلت كتلة نيابية كان اعضاؤها كمال جنبلاط والفريد نقاش ومحمد العبود ويوسف كرم من اجل الاصلاح  ومن ثم انضم الى هذه الجبهة شخصيات سياسية  غير نيابية . والجدير بالذكر بان الشخصيات المعارضة كانت تمثل كل المكونات اللبنانية المذهبية والاجتماعية والسياسية، والتي طالبت بالإصلاح السياسي والإداري،  كشعار اساسي لحملتها السياسية والشعبية ،وخاصة بعد وصل الرئيس الجديد كميل شمعون الى الرئاسة  كانت تأمل المعارضة بالتوصل مع الفتى العربي كما كان يطلق على الرئيس انذاك لاتفاق للتوصل الى حلول  مع المعارضة  لكن الاخفاق وعدم الاستجابة تسبب فورا بإندلاع هذه الازمة  من خلال ربط لبنان بالتحالفات الاقليمية من قبل  الرئيس  ، مما سوغ نشو ثورة داخلية عمت كل المناطق اللبنانية التي لم تكتف في اشكال بيروت . يحاول الكاتب تبنيد النقاط وشرحها بطريقة سلسة وبسيطة من خلال عناوين صغيرة تساعد القارئ على متابعة الاحداث والمواقف .

اما الفصل الثالث الذي يحاول من خلاله  الكاتب عدم الابتعاد  عن مضمون وجوهر الازمة اللبنانية في العام 1958 والذي يشخص اسبابها من خلال القراءة الداخلية لمواقف الاطراف . يحاول الكاتب توثيق اندلاع الاحداث من خلال ارتباطها بالحدث اليومي كما يشير في صفحة 82، الى تظاهرة صور،التي حاول فيها المتظاهرين اخراج المحكومين من السراي الحكومة  مما دفع برجال الامن اللبناني التصدي لهم . مرورا  بحادثة اغتيال الصحافي نسيب المتني  المعارض لسياسة الرئيس كميل شمعون  والتأثير الكبير على الشارع الشعبي الذي يعاني حالة من الغليان  الشعبي والسياسي .

 وصولا الى رفض التجديد للرئيس شمعون والتي كانت المعركة الاساسية التي تخوضها الجبهة من خلال قدراتها الشعبية والسياسية  التي دفعتها للمواجهة المباشرة مع الدولة .

فكل هذه الاحدث وربطها بالجو السياسي المأزوم جاءت شرارة اغتيال نسيب المتنى لتشعل انتفاضة ربيع وصيف 1958.

في الفصل الرابع يستعرض الكاتب الاحداث الدامية التي اندلعت في هذا العام والتي شملت كل لبنان ، ففي صفحة 91 يشير الكاتب بان الاحداث في البداية اندلعت في طرابلس وبيروت  لقد سيطر جو العنف السياسي على الجو  العام منذ اليوم الاول للإحداث من خلال دعوة المعارضة  للإضراب السلمي  استنكارا لحادثة الاغتيال للصحافي المتني ، لكن تصدي قوى الامن للمتظاهرين في طرابلس هو من اشعل فتيل الازمة كما يكتب د.عباس ابو صالح.ومع اشتداد العنف ضد المتظاهرين واشراك الجيش في عملية القمع وفرض حالة منع التجوال  اشتد الغضب الشعبي في طرابلس ليمتد العنف نحو الشوف معقل الشهيد كمال جنبلاط احد اقطاب المعارضة من جهة ومسقط الرئيس  الراحل كميل شمعون وعلى اثر هذه المشاحنات السياسة في الشوف تمددت الاحداث نحو  المناطق اللبنانية الاخرى . فالجنوب اللبناني لم يكن بعيدا عن سير هذه الاحداث التي انضم لها سريعا وتحديدا مدينة صور التي ادت الى وقوع صدمات كبيرة بين الاهالي وقوى الامن الداخلي .تفشت الاحداث والاصطدامات في مناطق وقرى الجنوب لتمتد الى مناطق البقاع الغربي وراشيا .

وبناء لكل الذي يوثقه الكاتب في كتابه  يشير بان الانتفاضة اندلعت في كافة مناطق لبنان وبالتالي ادت الى فرض حالة من الانقسام العمودي والافقي في المجتمع اللبناني بين الموالاة والمعارضة .

يحاول الكاتب في الفصل الخامس التوقف امام الحلول التي كانت تعمل لإنهاء الاحداث في لبنان وضمنها كانت قضية التدويل مطروحة بقوة نظرا لارتباط الازمة اللبنانية بالملفات الاخرى. فالحلول كانت تقضي بان ينهي الرئيس مدته الدستورية على ان لا يترشح للرئاسة دورة ثانية وكذلك ان يتم اقالة الحكومة وتعيين حكومة ائتلاف وطني . ويتوقف  الكاتب عند تكليف حكومة عسكرية برئاسة ماروني بالوقت الذي ينص الدستور على ان يكلف سني ،وربما يحاول الكاتب بان الاتفاقات الدولية هي التي رتبت هذا الخيار ضمانا للجهات الاخرى وتمهيدا للرئيس المكلف بتولي رئاسة الجمهورية بعد انتهاء مدة الرئيس شمعون .

كتاب قيم جدا يستحق القراءة وإعادة النظر بالتاريخ اللبناني في فترة معينة من الزمن ادت الى صراع لبناني –لبناني نتيجة الارتباط بالمحاور والاحلاف.

ربما هذه الدراسة لحرب لبنان الاولى تساعد الباحثين اللبنانين والنقاد والأطراف السياسية على الوقف امام تجربة الحرب اللبنانية وقراءتها  بطريقة جديدة وبتجرد من خلال نقد تلك الفترة وأيضا الكشف عن معلومات ووثائق قد تحكي عن سر الحرب الثانية .وربما القراءة في هاتين التجربتين قد تمنع الجيل الصاعد من تكرار تجربة جديدة من ويلات الحرب الاهلية التي تعصف بالمنطقة العربية .

فالكتاب الذي يضم  سبع فصول  وخاتمة وملحق هام يؤرشف فيه كل القرارات والوثائق والرسائل والأمور المتعلقة بتلك المرحلة. بلغة مبسطة وواضحة تعتمد على المراجع والهوامش مقسمة الى عناوين مترابطة بعضها ببعض ،اذا  يعتبر هذا الكتاب مرجع اكاديميا  وعلميا مميزا  لخدمة الباحث اللبناني  والمكتبة اللبنانية .

بقلم: خالد ممدوح العزي 

مواضيع ذات صلة



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *