مسلسل “حلاوة الروح”.. هل يبرّئ ميليشيا حزب الله من دماء السوريين؟

22 يوليو، 2014 6:18 م 85 مشاهدة

fff

" رحاب نيوز " ر ن ا – الإمارات – (قراءة نقدية: رامي زين الدين)

تتناول العديد من الأعمال الدرامية التي تعرض في رمضان الحالي الواقع السوري المؤلم، بتشعباته وتعقيداته الكثيرة، ومن بين تلك الأعمال مسلسل "حلاوة الروح" للكاتب رافي وهبة والمخرج التونسي شوقي الماجري، تدور أحداث العمل حول فتاة سورية لأب مصري، تعود خفيةً لأرض الوطن هروباً من واقع عائلي مفكّك، لتحقيق هدفها المتمثل في إنجاز فيلم تسجيلي عن الأحداث في بلادها التي تنهشها الحرب، وخلال عملها في إحدى مناطق النزاع حيث تكون برفقة صديق وعدد من المنشقين عن الجيش، تقع أسيرة لدى إحدى الجماعات المتشددة.  

يحاكي "حلاوة الروح" بشكل كبير حالة النّزاع المتفاقم في المشهد السوري، بين النظام من جهة، والمعارضة من جهة أخرى، وفي خضم هذا الصراع يسلّط الضوء بشكل أساسي ومركّز على الجماعات الإسلامية المتطرفة والقاعدة بشكل خاص، حيث يؤدي الفنان غسان مسعود شخصية أبو ربيعة، أحد أمراء التنظيم المتشدد، وفي سياقات درامية أخرى يخوض العمل في عمليات النهب والسلب التي يقودها تجار الحروب من الطرفين، والصراعات والتصفيات بين مراكز النفوذ والقوة في الجهات الإسلامية الواحدة والمختلفة.

وإذا ما اعتبرنا أن العمل يحاول بصورة أو بأخرى محاكاة واقع موجود، من زوايا مختلفة، مع التركيز على الجانب الديني الراديكالي في صور جماعات وشخصيات، هي بالفعل موجودة بقوة ولاعب أساسي في الحرب السورية، لكن ما أغفله كاتب العمل وغاب عن الرؤية الدرامية للمخرج أيضاً، بقصد أو دون قصد، هو إلغاء وجود لاعب مهم في الصراع السوري الدامي، يتمثّل بتنظيم حزب الله الشيعي الراديكالي، والعديد من التنظيمات الأخرى التي قدمت من العراق مثل ميليشيات أبو الفضل العباس وعصائب أهل الحق وغيرها، المنغمسة جميعها في شلّال الدماء.

لا يمكن لأي عمل يتناول الحرب في سورية أن يغفل عن تواجد ميليشيا حزب الله في عمق الأحداث وامتدادها، كعنصر رئيس في عمليات العنف الدموية، ولا مجال هنا لذكر الدلائل والأقران على انخرط عناصر الميليشيا بأعداد كبيرة في القتال، طالما أن رأس الحزب المتمثل بزعيمه حسن نصر الله أقرّ وأعترف مراراً وتكراراً، لا بل تفاخر بأن قواته تخوض معارك المقاومة والممانعة إلى جانب جيش النظام السوري، فكيف لمسلسل "حلاوة الروح" أن يحظى بثقة واحترام المشاهد عندما يحصر التطرف الديني بفئة واحدة،  بينما يغفل فئات أخرى لا تقلّ تشدّداً وتطرفاً، فكما تظهر في المسلسل رايات القاعدة، هناك في الواقع الحقيقي، في القصير وغيرها كانت ترفع رايات ميليشيا حزب الله و شعار "يا أبا عبد الله" ذا الدلالة المذهبية يرفرف على مئذنة مسجد عمر بن الخطاب.

على الرغم من أن العمل عبر شخصياته الكثيرة التي تنتمي لجميع أطراف النزاع في سورية، كان صادقاً في الحوارات والأفكار التي تعبّر عن واقع يؤمن به الكثيرون، من المؤيدين والمعارضين، كيف مثلاً أن الثورة دخلت في دوّامة بعد أن قادها الشباب المتعطش للحرية والكرامة بشكل سلمي، ثم تحولت بفعل عنف قوّات الأمن والشبيحة إلى التسليح للدفاع عن النفس ومن ثم أخذ زمام المبادرة والهجوم، لكن العمل بالمقابل تناسى عمليات الاستفزاز الديني التي قام بها النظام بشكل ممنهج ومقصود، لإثارة النعرات الطائفيّة وخلق حالة من ردات الفعل العنيفة، بعد قصف المساجد وهدمها والإساءة إلى رجال الدين وغير ذلك من الممارسات التي تهين المقدسات الإسلامية وتستفز مشاعر المسلمين، والتي أفرزت بالضرورة الكثير من مظاهر التطرف.

تم تصوير معظم أحداث العمل في لبنان بإنتاج ضخم وإمكانيات هائلة، تبدو ظاهرةً جليّة في مشاهد المعارك والآليات والأسلحة والانفجارات، وربما لو تناول العمل علاقة ميليشيا حزب الله المباشرة في الحرب السورية، كان فريق العمل دون أدنى شك سيتعرض لمضايقات من الحزب، ومن المرجّح أيضاً أن تصويره كان سيمنع في لبنان، ولكن هذا لا يمنح أصحاب العمل صكّ البراءة من تحريف الواقع عبر تغييب أحد أركانه!.

الفنان غسان مسعود المعروف بتأييده للنظام السوري، يجسّد شخصية أمير المؤمنين أبو ربيعة، كما أسلفنا سابقاً، وقد قال مسعود في إحدى لقاءاته التفزيونية مؤخراً أنه لم يحضّر للشخصية كون لديه المعرفة والاطلاع بتاريخ الجماعات الجهادية والسلفية الإسلامية ومرجعياتها الدينية، والغريب أن الأمير أبو ربيعة في "حلاوة الروح" تارّة يتحدّث بالفصحى وتارة بالعامية السورية، وفي بعض الأحيان يجمع في الجملة الواحدة بين العامية والفصحى، لا بلْ أنه أيضاً لا يلفظ الأحرف اللثوية والمفخّمة في كثير من الكلمات، وهو ما لم نشهده من أي زعيم تنظيم ديني إسلامي، متشدد وغير متشدد، سيّما أنهم يشتهرون بدراستهم المتعمّقة للدين والشريعة واللغة العربية، فجاء أداء غسّان مسعود هزيلاً وغير مقنع، علماً أنه يملك الحالة المعرفية الكافية لتجسيد مثل تلك الشخصية، كما قال حرفيّاً.

اعتبر الفنان غسان مسعود في مقابلته أن الدراما التي تقف ضد النظام السوري أو معه هي أقرب إلى الفن الدعائي وهو غير معني بها ولا يشاهدها حتّى، واعتبر أنّ "حلاوة الروح" عملاً ينظر بكلتا العينين إلى سورية، دون أن يكون منحازاً لطرف فيها، وهنا السؤال الذي يطرح نفسه: هل ننتظر إذاً مسلسلاً آخراً يتناول تدخل الجماعات الراديكالية الشيعية في سورية على غرار "حلاوة الروح" الذي تناول الحركات الراديكالية السنّية حتى نكون منصفين وصادقين في طرح الواقع أمام المشاهد؟.. والإجابة برسم صانعي العمل!

لم ينتهي المسلسل بعد، وسيبقى عرضه مستمراً حتى نهاية رمضان، وأغلب الظّن إن لم يكن كلّه، أن المشاهدون لن يروا على الإطلاق، أي تواجد أو حتى إيحاء بوجود الجماعات الشيعية المتطرفة المنخرطة في النزاع السوري، وفي هذه الحالة، ودون أن نبخس حقّ العمل بالاعتراف أنه متابع بشكل جيّد وأنه يمتلك عناصر النجاح في العمل الدرامي، لكن يصحّ القول بالدليل والبرهان أنه غير صادق، طالما أنه حذف عنصر مهم من عناصر الصراع في الواقع، وهو ما يشكّل انحيازاً صريحاً لفئة دون أخرى وكأن التطرف مقتصرٌ على فئةٍ بعينها دون غيرها!.

لا شك أن "حلاوة الروح" مسلسل قوي، على مستوى النص والحبكة الدرامية وكذلك الحال بالنسبة للإخراج وأداء الممثلين، لكن مع ذلك تبقى الهفوات الواضحة في المقاربة مع واقع الحرب السوريّة وتشعباتها نقاط ضعفٍ وخلل لا يمكن غفرانها بالنسبة لعمل درامي يعرض في ظلّ أحداث آنيّة متسارعة، تسيل خلالها دماء السوريين علي أيدي قوات النظام والجماعات المتطرّفة، القاعدة والميليشيات الشيعية، ويبقى السؤال هل يبرّء مسلسل "حلاوة الروح" حزب الله اللبناني، الغارق في مستنقع الحرب من دماء السوريين؟.

مواضيع ذات صلة



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *