نسيان

27 مارس، 2014 10:50 ص 146 مشاهدة

hg4

ذاك الرجلُ السبعيني كَعادتهِ جالسٌ مع سيجاره يبتلع النكوتين ضاحكاً على نفسه بمفردة النسيان, يملئُ ثقوب الجدران بالضحك متابعاً مقاطع من مسرحيات كوميدية, يختبئ خلف كذبة اللامبالاة ويشرب النبيذ متفاخراً بالخمول واللاتفكير



إلا انهُ في ذروة السُكرِ يرتشفُ الماضي بهدوء وألم, رشفاتٌ تصاحبها نسائم الألم المنسدل من جعبة الذكريات التي تطلق الرصاصة تلوى الأخرى بدون هوادة. حقول القمح ورؤس القطن البيض تعانق الشروق وجدولُ ماءٍ يسقي الأغنام



يبداً ذاك الطاعن في الحياة والعمر يومه بالكذب على نفسه, مالئاً ساعات يومه في التنقل بين محطات الأخبار وزجاجات الويسكي مصدقاً كذبته بعدم التفكير في الماضي المفعم بالذكريات, تلك التي تغزو احلامه ضاربةً رحم خياله وجع رعيان الشباب الذي لن يأتي أبداً من جديد, متعثراً باللاجدوى في البحث عن السكون الفكري الذي يبعده عن خياله المتشبث بكل شيء منصرم مدركاً في ذاته أن القادم اسوء والذي بقي في الماضي الأفضل والأدفء



في الربع الأول من عام (2012) خرجَ شاباً في العشرين إبان الثورة السورية, وبعد خمسين عام من الرحيل عن سوريا بحثاً عن حيز صغير يدعى الأمان حيث الوطن كان مهدداً بالموت التام, ولم يكن يشفى بل يزداد موتاً وكان يتوجب عليه أن يخطو للأمام ويبتلع مرارة ترك الوطن مجروحاً بدون أن يبقى لمعالجته, وعقب نصف قرن من الزمن قضى على وجوده في المنفى. ندمى وتحسر على الوطن الذي افقده حاسة النسيان منذ هجره, وتركه مسجون الحنين يتعذب من همس إؤلئك الباقين في الوطن الذين نعتوه بالرحيل على مرّ السنين بسبب تركه للبلد. بقي طوال أعوامه في المنفى يلفظ المبررات لرحيله كنوع من الراحة

 شاخ وسلب الدهر منه أفظع الأيام جمالاً في المنفى, إلا أنهُ لم يُسلب من الشوق وحب الوطن, ضلَّ حاضراً مع حفيف الأشجار ودفء الأسرة وضجيج الأصدقاء ومغامراته مع ابنة الجيران وكلبهم اللعين وأصوات المتظاهرين في مدينته الجاثمة على الفقر والحرمان, لم يضمحل النسيان يوماً عنه, استمرّ بالتذكر ليبقى هو مستمراً وقد تيقن جازماً أنه لا نسيان للوطن وتفاصيله إلا بالموت



بقلم: سردار احمه

مواضيع ذات صلة



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *