ونون النسوة

14 أغسطس، 2014 2:29 ص 144 مشاهدة

marah

"ونحن نغادر مدينتنا الموصل مطرودين وقد أذلّنا حاملو راية "الإسلام الجديد"، نغادرها لأول مرة في التاريخ، لابد لنا في هذا الموقف أن نقدّم شكرنا لأهلنا فيها، أهلنا الذين كنّا نعتقد بأنهم سيحموننا كما كانوا يفعلون، وسيقفون بوجه عتاة مجرمي القرن الحادي والعشرين ويقولون لهم إن هؤلاء هم الأصلاء وهم الذين أسسوا هذه المدينة. كنا نطمئن النفس في أن لنا جار عزيز، وابن محلة شهم، وإخوان تبرز أخلاقهم يوم الشدة، لكننا خُذلنا ونحن نغادر، خُذلنا ونحن نسحب أجسادنا سحباً نحو المجهول، خُذلنا ونحن نترك كل تاريخنا وقبور آبائنا وأجدادنا ورموزنا وآثارنا وكل شيء عزيز علينا. وداعاً نقولها، لمحلات الساعة والجولاق والدندان وباب لكش وباب الجديد وباب الطوب، وداعاً لجامع النبي يونس والنبي شيت و(جيمع الكبيغ)، وداعاً للسرجخانه وسوق العتمي والقناطر وجسر العتيق وعبدو خوب، وداعاً لقصر المطران وكنيسة مسكنته وعين كبريت، وداعا لشارع الفاروق وشارع نينوى والدواسة، وداعا لعبد الباسط أبو السندويج ، وطرشي الشفاء وشارع النجفي، وداعاً أخوالي ابراهيم وميخائيل حداد الذين امتدت لي الصحافة منهما… وداعاً، هكذا أخرجنا عتاة داعش القتلة من بيوتنا ومحلاتنا (وعوجاتنا) ومن مدينتنا مطرودين".

هذه صرخة انكسار مجتزأة من رسالة مطوّلة وصلت إلى الصديق سمير الصميدعي، أول سفير للعراق في واشنطن إثر سقوط نظام صدام حسين، شاركني بها و وأذن لي بنشرها. الرسالة موقّعة باسم ماجد عزيزة (الموصلي) قبل ساعات من مغادرته لموصل بعد أن رفض دفع الجزية لجحافل قوى الظلام داعش بعد أن كتبوا بالحبر الأحمر على جدران بيته الموصلي العريق حرف (ن)!

إنه التهجير القسريّ من الموصل، واحد من أبشع  المشاهد العنفية للتمييز الديني في القن الحادي والعشرين؛ في حين اقتصرت ردّات الفعل الرسمية في العالم الغربي المسيحي على قبول اللجوء الإنساني لمسيحيي الموصل على أراضيها على الفور، وكأن تفريغ المنطقة من مسيحييها وأقلياتها الدينية جزء من مشروع مضمر يأتي مستتبِعاً للمشروع الداعشي في استقطاب المتطرفين في العالم لاستيعابهم في بقعة جفرافية واحدة، الأمر  الذي سيساعد على تفريخ بؤر جهنمية متنقّلة يتصارع فيها قوى التطرّف، السني والشيعي، في اقتتال جاهلي لن يضع أوزاره حتى يفنى الطرفان وتفنى معهما بذور "الإرهاب الدولي" على حساب انهيار مشروع الدولة الوطنية الحديثة والديمقراطية في المنطقة.

لا أريد أن أتحدّث هنا عن العنف المرتبط بهذه القوى الظلامية وحسب، فهو يمارس على رؤوس الأشهاد وفي الساحات العامة، ودونما رادع ولا رقيب، من ذبح وسلخ وصلب ورجم؛ بل سأحاول استشراف أهداف هذه المجموعة البعيدة المدى التي ترسم مسارها الدموي. وفي غمرة العصف الذهني المضني في البحث عن البذور الشيطانية الأولى لتنظيم داعش، ومشاربها، وأرضها الجهنمية التي نبتت فيها، أجد نفسي أدوّر في رأسي، وبحالة نادرة تبتعد عن طبيعتي في تحليل الوقائع، نظرية "المؤامرة" والاحتمالات العالية لارتباطها بتشكيل هذه المجموعة؛ فتجاهل ضرورة المسارعة في القضاء على هذا التنظيم الخبيث في مهده قبل استشرائه إلى جانب التغاضي الغامض الذي يتناقض مع مسؤولية الدول الأجنبية المتابعة للحالة العسكرية بل والداعمة لهويات مختلفة من فصائلها المحليّة قبل أن يرتبط بدول الجوار والدول الإقليمية، إنما يرفع لديّ مستوى الشكوك، التي قد تقارب اليقين، في ارتباط هذه المجموعة بخطط استخبارية دولية بعيدة المدى في حين تننتفي أية قيمة ترتبط بالإسلام وتطبيق تعاليمه تحاول داعش أن تصبغها على مشروعها مع إيغالها في ممارساتها الجاهلية.

هكذا تساهم داعش في عملية التفتيت المجتمعي في سوريا والعراق، التفتيت الأبلغ أثراً من التقسيم السياسي أو الجغرافي، محيلة المنطقة بالتدريج إلى مستنقع للعنف تطفو على سطحه كنتونات متناحرة من أهل السنة والشيعة لا يربطها سوى خيط الدم والانتقام المفتوح على المجهول، بينما تتعاظم دولتان إقليميتان هما الأقوى والأكثر تماسكاً: إيران واسرائيل.

وتمضي داعش إمعاناً في سياسة تفتيت النسيج المجتمعي مستهدفة أقلية أخرى هي المرأة. وتنتمي المرأة في الشارع العربي إلى دائرة الأقليات ليس بالمرجعية العددية، فهي تشكل ما يقارب 60 بالمائة من مجتمعها،  بل بسبب تعرّضها المزمن للاضطهاد الجندري، اجتماعياً ودينياً، مما يسهّل ويشرعن استهدافها من قبل جحافل الظلام التي تتقدّم في الخارطة السياسية للعراق وسوريا بقوة الترهيب.

فإثر صلاة العشاء ليوم الخميس 17 تموز/يوليو، وفي سوق شعبي لمدينة الطبقة بالجزيرة السوريّة، جُرّت امرأة عمرها 26 عاماً إلى حتفها بعد مثولها أمام محكمة داعش واتهامها بالزنى ورجمت بالحجارة حتى الموت. وفي اليوم التالي إثر صلاة العشاء أيضاً، الجمعة 18 تموز، وصلت سيارة محمّلة بالحجارة إلى ساحة قرب المعلب البلدي في مدينة الرقة حيث تجمّع عناصر داعش ــ وكان معظمهم من الأجانب ــ حول امرأة مقيّدة وساجدة على الأرض وانهالوا عليها رجماً، واستمروا في رجمها حتى بعد أن زفرت النفس الأخير.

ليست هاتين الجريمتين المنكرتين سوى نقل حرفي عن لأول سابقة رجم امرأة في العصر الحديث، بسبب شبهة بالزنى، حدثت في إيران في العام 1986 أثناء حكم الخميني حين رجمت ثريا علناً، من زوجها وأولادها وكل عابر سبيل، بعد أن وضعت في حفرة وقد طمر نصفها السفلي بالرمل وقيّدت يداها إلى ظهرها!

هذه الجريمة المشهودة إنمت تؤكّد أن العنف الديني والتطرّف إنما بذرته وأصوله شيعية وفروعه سنيّة وليس العكس. وأن ملالي قم هم أول من شرّع وروّج ومارس هذا العنف قبل أن ينتشر عقائدياً في مجموعات التطرف المسلّحة الداعية "ظاهراً" إلى إقامة دولة الخلافة الإسلامية بحد السيف أوبترهيب التهجير،  أما "باطنا"" فسرّها العميق مسطور في تعاليم صجف التلمود أو مضفور في سواد عمامات ملالي قم.

قال لي سمير الصميدعي، وهو الذي اعتزل السياسة بطلب منه وجّههه إلى حكومة المالكي لاستحالة تحقيق أي تغيير ديمقراطي عادل في العراق برأيه، وبعد أن انتهينا من قراءة رسالة صديقه الموصلي، قال: أعظم مافقدناه يا مرح هو أحلامنا!

مواضيع ذات صلة



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *