الاعلام مهنة وأخلاق يمارسها الاعلامي

23 فبراير، 2014 11:38 م 108 مشاهدة

خالد ممدوح العزي

التشريعات والقواعد بالأساس تعتمد على تعريفات قديمة  لم تغب يوما عن  الوسائل الاعلامية الكلاسيكية لتكون الاخلاق والآداب والضمير والرقابة الذاتية اساس تصرفات الاعلامي والمؤسسات الاعلامية نفسها. ومن هنا تكمن اهمية البحث والوصول الى قواعد تحددها سلوكية وأخلاقية عالمية ترسم طبيعة مسلك الاعلامي في ممارسة المهنة وهذه القوانين ربما تكون سيف ذو حدين تحمي الاعلامي من الوقوع في اخطاء المهنة التي يدفع ثمنها غاليا ، وكذلك حماية الحرية الشخصية للناس من استخدامها كمادة للنشر من قبل الاعلاميين، ولذلك  تكمن اهمية ايجاد قواعد تحدد اخلاقيات العمل الاعلامي ، في اشكاله واشكالياته ومواثيقه . عن هذه الاخلاق التي تفرض خارطة طريق لكل الاعلاميين  والمؤسسات الاعلامية بمختلف لغاتها وقوميتها  ومذاهبها تربطها  جميعا مفهوم المهنية والإعلامية وأخلاق الاعلامي الشخصية في ممارسة المهنة، يحدثنا عن هذا الموضوع  في الحوار الصريح الكاتب والإعلامي الكردي جودت هوشيار من العراق حاوره د.خالد ممدوح العزي .

1-  هلا تخبرنا عن جودت هوشيار؟

– جودت هوشيار ، مهندس استشاري وكاتب وباحث عراقي معروف ، له عشرات البحوث والدراسات الفكرية والإعلامية والأدبية والسياسية  المنشورة في المجلات والصحف العراقية والعربية.

 

اصدر العديد من الكتب منها :

" سيكولوجية الإبداع الروائي " وزارة الثقافة – بغداد – 1973

" ذخائر التراث الكردي في خزائن بطرسبورغ " ، اربيل ، 2011

 

من كتبه المخطوطة :

صحافة العصر الرقمي

القوة الناعمة

العراق في مفترق طرق

 

2 – كيف تمارس مهنة الاعلام ؟

–  أنا كاتب حر و مستقل ، متعدد الاهتمامات.  أكتب عن كل ما هو جديد في الفكر المعاصر عموما وفي مجال الأعلام خصوصا وله علاقة مباشرة بحياتنا  وثقافتنا ومستقبلنا .

 

3- ماذا يعني الاعلام حاليا بل الطفرة التكنولوجية الحديثة؟

– بقدر تعلق الأمر بالأعلام ،  نحن نعيش اليوم ثورة معلوماتية جديدة ، تتداخل فيها معظم وسائل الأعلام المقروءة والمسموعة والمرئية ، حيث تتنافس هذه الوسائل في ما بينها من جهة وتكمل الواحدة منها الأخرى من جهة ثانية .ولكن الطفرة التكنولوجية – واعتقد انك تقصد بذلك الثورة المعلوماتية تحديداً –  لا تقتصر على وسائل الأعلام ، بل تشمل أيضاً ، تبادل المعلومات بين الإنسان والآلة وبين الآلات نفسها .

 

4 – كيف تصف لنا حالة الاعلام في العراق ؟

–  بعد عقود من قمع حرية التعبير وتحويل وسائل الأعلام الى أبواق لتمجيد ( القائد الضرورة ) والدعاية للحزب الحاكم ، ظهرت الى الوجود بعد ( التغيير) عشرات الصحف اليومية والأسبوعية وقنوات التلفزة المحلية والفضائية ومحطات الإذاعة الأهلية ( الخاصة )  وشبه الحكومية  ، حتى بات البعض يتحدث عن الفوضى الإعلامية أوالأنفلات الأعلامي. .وأرجو أن لا يتبادر الى الذهن  ، ان ذلك ظاهرة صحية أو دليل على وجود حرية التعبير ، لأن الأغلبية الساحقة من وسائل الأعلام في عراق اليوم  مؤدلجة و متحزبة او ممولة سرا من قبل السلطة ومجندة للترويج لسياساتها  . والعديد منها تتلقى تمويلا خارجيا من منظمات مشبوهة  . ولا وجود لحرية الرأي والتعبير، الا في أضيق الحدود . والى جانب هذه الجوقة الأعلامية الطائفية الجاهلة ، التي لاتفقه شيئا في اساسيات العمل الصحفي ،  ثمة اعلام ليبرالي ناضج ورصين رصين ،  يعمل فيه اعلاميون شجعان يؤدون واجبهم المهني بصدق وأمانة وشرف ، ولكن نظام الجهل المعمم يحاول التضييق عليه وخنقه بكل الوسائل المتاحة.

  ويعرف القاصي والداني ان العراق من اخطر البلدان بالنسبة الى  الإعلاميين .والخطر المحدق بهم ، ليس مصدره الإرهاب الأعمى حسب ، بل ، السلطة المستبدة ، التي تحارب الأعلام الليبرالي المهني ، بسبب دوره الفعال في الكشف عن قضايا الفساد السياسي والمالي والإداري .ورغم كل هذا فأن الأصوات الإعلامية الحرة ، على قلتها ،  اخذت شيئا فشيئا تستحوذ على اهتمام الجمهور العراقي ، ولعل خير دليل على ذلك ، ان أي فضائية عراقية تتبني المطالب الشعبية تقفز خلال ايام  الى القمة في نسبة المشاهدة ، بمعني ان الشعب العراقي لم يعد يصدق الأعلام العراقي المؤدلج – بشقيه الحكومي والخاص – ويتطلع لمعرفة الحقيقة من الأعلام الحر..وهذا دليل على وعي الشعب العراقي.

 

5 – اين يتموضع الاعلام العراقي بظل الانقسام الافقي والمناطقي للشعب العراقي ؟

-لا توجد في العراق اليوم دولة بالمفهوم الحقيقي لهذا المصطلح ، بل سلطة متخلفة وجاهلة ،  تتاجر بالدين ، ولا تستطيع البقاء في الحكم ،  الا بتأجيج النعرة الطائفية وأفتعال الأزمات للإلهاء الشعب عن معاناته القاسية ، كما أن أحزاب الأسلام السياسي الأخرى ، المشاركة في الحكم شكلياً  ، لا تقل عن حزب الدعوة الحاكم في عمل كل ما من شأنه تعميق الأنقسام الطائفي . ولا أدل على ذلك ان اوصال العاصمة بغداد مقطعة اليوم الى ( غيتوات ) حسب التقسيم المذهبي .

الأعلام الطائفي الهابط والرخيص ، بات أحد أهم أدوات الصراع السياسي على السلطة والنفوذ والمال ، ويسهم من دون أي وازع مهني و أخلاقي في تعميق الانقسام المذهبي والمناطقي في البلاد  .

 

 6 – اخبرنا عن الاعلام الكردي ؟

 6 – الأوضاع العامة في أقليم كردستان مختلفة تماما عن بقية أجزاء العراق ، فهناك طفرة عمرانية وخدمية وإدارة مدنية وإعلام أكثر مهنية ، قياسا الى بقية اجزاء العراق  . ويمكن ملاحظة اربعة اتجاهات في الاعلام الكردي :

 

الأعلام الحزبي وشبه الرسمي لحزبي السلطة ، وهو اعلام رصين ينقل ما يحدث في المجتمع أولا بأول ويعكس الأضواء على ما يعانيه من وجهة نظر الحزبين بطبيعة الحال .ولا يرحب كثيرا بالرأي الآخر وخاصة في القضايا السياسية الحساسة .

اعلام حركة التغيير ( حزب المعارضة الرئيس في الاقليم )  ، ومما يؤخذ على اعلام الحركة أنه يركز كثيرا على مظاهر الخلل والضعف في الأداء الحكومي ،من دون التعمق في دراسة تلك المظاهر وتقديم معالجات حقيقية لها . اعلام لا يرى سوى السلبيات ولا يتحدث قط عن أي انجاز حكومي. ان هذه النظرة الأحادية يضعف كثيرا من تأثيره على الرأي العام .

 

الثالث : الأعلام السلفي المؤدلج – للأحزاب الدينية  المعارضة – وهو اعلام متخلف ومنحاز ، يشوه الحقائق ويحرف الأخبار ويركز على السلبيات التي لا تخلو منه أي مجتمع من المجتمعات والأخطر من ذلك كله أنه اعلام تحريضي ، يمجد الأرهاب باسم الجهاد ، ويكفي القول ان بعض الشباب الكرد المنتمين أو المتعاطفين مع تلك الأحزاب التحق بالجماعات التكفيرية التي تقتل أبناء جلدتهم كرد سوريا . وأرى ان هذه الأحزاب وإعلامهم التحريضي خطر على حاضر ومستقبل الشعب الكردي .  

 

الأعلام الأهلي او الخاص أو بتعبير أكثر دقة ( الأعلام التجاري ) ، الذي يدعي الاستقلالية ولكن القسم الأكبر منه مرتبط بالأحزاب السياسية بشكل أو بآخر . وهو اعلام يعتمد الأخبار المجهولة والعناوين المضللة والصارخة والتركيز على الفضائح الحقيقية والموهومة و التابوهات الاجتماعية وخاصة الجنس بصوره المختلفة . ويعمل فيه مئات الإعلاميين ، الذين اتخذوا من الاعلام مصدر رزق من دون ان يمتلكوا الحد الأدني من المؤهلات المطلوبة للعمل في هذا المجال الحيوي .

 

7 – ما اهمية الاعلام الكردي في دول انتشار الكرد ؟

– الأعلام الكردي في دول ( التقسيم ) الأخرى  ما عدا العراق ، محدود التأثير نظرا لتضييق الخناق عليه ، في كل من تركيا وسوريا أو محلي كما في سوريا  على عكس الأعلام الكردي في كردستان العراق ، الذي يمارس دورا كبيرا وتأثيرا هائلا على الكرد في بقية أجزاء كردستان . وثمة أيضاً  اعلام قوي لحزب العمال الكردستاني  في الدول الأوروبية على وجه الخصوص . اضافة الى الأعلام الكردي في جمهوريات ما وراء القفقاس ، وهو اعلام ثقافي في المقام الأول .

 

8 – كيف تعيش الصحافة الكردية اليوم على المفهوم  القومي  او المهني  ؟

– منذ التقسيم الأول لكردستان بين الدولتين العثمانية والفارسية بموجب اتفاقية ( جالديران ) في عام 1514 ومن ثم التقسيم الثاني  بعد الحرب العالمية الأولي الى اربعة أجزاء بموجب اتفاقية ( سايكس – بيكو ) وحتى يومنا هذا ،  قدم الكرد تضحيات سخية للغاية ، ربما لم يقدمها أي  شعب آخر في العالم ، لذا من الطبيعي والبديهي ان يعمل الكرد اليوم على تعزيز وإبراز هويتهم القومية ، التي حاول أعدائهم طمسها ، والصحافة الكردية تسهم بقسط وافر في التركيز على القضايا القومية الملحة و دعم نضال الشعب الكردي في أجزاء كردستان الأخرى .، وأرجو ان لا يذهب الظن بالبعض الي المقارنة بين الأتجاه القومي العربي الشوفييني وبين الطابع القومي للحركة التحررية الكردية ، ذلك لأن الكرد كانوا ضحية الشوفينية العربية والتركية والفارسية ولا توجد لهم لحد الآن دولة تجمع شملهم وتضمن حقوقهم ، في حين ان  للعرب اثنان وعشرون دولة ورغم ان الاتجاه القومي هو الغالب على الأعلام الكردي عموما ولكنه من دون أدنى شك أكثر مهنية ومصداقية من الأعلام العراقي العربي.

 

9 – انت تتوقف بكتابتك عن اخلاقيات المهنة الاعلامية لماذا؟

– لأن ثمة ظاهرة واسعة للأنتشار – مع شديد الأسف – في  الأعلام العراقي الحالي ، وهي ظاهرة الأخبار الملفقة والتشهير والتجريح بذريعة النقد ، وهي أبعد ما تكون عن النقد النزيه البناء ، ويكفي القارئ الكريم ان يشاهد فضائية عراقية ، سواء تلك التي تبث من خارج العراق او من داخله ، ليتبين الى أي حضيض انحدر الأعلام العراقي: مهاترات وتسقيط سياسي واتهامات متبادلة بين الساسة ، ما أنزل الله بها من سلطان . وهذه نتيجة طبيعية للأوضاع العامة المتردية في العراق : ارهاب حكومي وميليشياوي وأجنبي أيضا  وجرائم منظمة و تعاطي للمخدرات والتدخل الفظ في أخص الأمور الشخصية وفرض الحجاب بالقوة على النساء حتى على بنات في عمر الورود والفصل بين الجنسين في المدارس وزواج المتعة والمسيار وما الى ذلك من البدع التي هي علامات انحدار خلقي وسياسي والأبواق الإعلامية تروج لكل هذه الأمور بدلا من ان تحاربها .

 

10 –  في مقالك تتوقف امام دور الصحافي والصحافة الصفراء هل هذا واقع العراق او المنطقة كلها.

-يرتبط ظهور الصحافة الصفراء في الغرب بمرحلة تاريخية معينة مع ظهور وتنامي الطبقتين المتوسطة والعاملة  بعد الثورة الفرنسية . الموظف او العامل العائد الى بيته بعد يوم عمل شاق ، كان يبحث عما يسليه ويرفه عنه ، وعلى هذه النحو أضيفت  وظيفة جديدة الى الصحافة وهي وظيفة التسلية والترفيه ، وهذا لا يعني ان الثقافة الترفيهية لم تكن موجودة من قبل ولكنها كانت مخبأة  في بطون الكتب .

الصحافة الصفراء صناعة غربية ، ولا توجد صحافة صفراء عربية ام كردية ، بل صحافة تجارية تتسم ببعض العناصر( الصفراء )،وهي عناصر ،  تشكل توابل للصحافة المحلية الهابطة الخالية من أي مضمون ذي قيمة ، وتجذب القارئ البسيط بصورها المثيرة ومانشيتاتها الصارخة . وحتى بعض المجلات التي تعنى بالجنس والتي ظهرت في السنوات الأخيرة في بعض البلدان العربية وفي إقليم كردستان أيضاً ، فأنها تجارة تهدف الى الربح عن طريق دغدغة الغرائز قبل ان تكون صحافة صفراء بكل ما يعنيه هذا المصطلح ، لأن تابوهات الحياة الشرقية والإسلامية تحديدا لا يترك مجالا واسعا لهذه الصحافة ان تأخذ مداها الواسع وتتحدث عن المغامرات الجنسية لنجوم المجتمع وتتلصص على حياتهم في خلواتهم الخاصة  وتتحول الى صناعة  ذات شأن كما هو الحال في الغرب .

 

11- انت تصف المدونات بأنها السلطة الخامسة التي تراقب السلطة الرابعة وتعمل على تصحيح مصارها؟

-الفرق بين الصحافة التقليدية وبين الصحافة الرقمية الجديدة ، هو ان الأولي صناعة يعمل فيها محترفون ، اما الثانية فهي فضاء مفتوح لكل من يتعامل مع الكومبيوتر او الأجهزة اللوحية والذكية ولديه اتصال بالانترنت . الصحافة الجديدة صحافة تفاعلية ، وفضاء مفتوح للآراء الحرة العابرة للحدود . والمساهمون في هذا الفضاء الواسع أكثر عددا –  من الصحفيين المحترفين على مستوى العالم- أضعافا مضاعفة . والناشطون منهم يشخصون مشاكل مجتمعاتهم   ويراقبون أداء السلطات الأربع الأخرى وينتقدونها . صحيح ان معظم هؤلاء النشطاء هواة متطوعون ولكن لهم تأثير عظيم على الرأي العام  ويزداد هذا التأثير  بمضي الزمن ، وهم اسرع من الصحافة الورقية وحتى من الإذاعة والتلفزيون في نقل الأخبار والتقارير والصور ومقاطع الفيديو من مواقع الأحداث مباشرة ، وقد كان لهؤلاء الناشطين فضل كبير في اندلاع ثورات الربيع العربي ، وحققوا نتائج تأريخية عظيمة عجزت عنها الصحافة التقليدية، .

12- لماذا يتحول الصحافي في الدول العربية الى سياسي ويبتعد عن ممارسة مهنيته الاعلامية ؟

12 – لا يوجد صحفي محايد سياسيا تماما، حتي في الأنظمة الغربية الديمقراطية العريقة ، فالصحفي ، اذا كان يعالج قضايا سياسية  ولا يكتب  عن آخر فضائح نجوم السينما والمجتمع مثلا،  فأن آرائه الشخصية  لا بد ان تنعكس عل كتاباته الى هذا الحد أو ذاك . ولكن ثمة درجات من الابتعاد عن الموضوعية والانحياز السياسي  . فالصحفي الغربي يخفي انحيازه بمهارة  ويبدو مقنعا في معالجاته الصحفية ، ثم ان هذا الأخير يكسب الكثير من المال من مهنته وعالم الصحافة مفتوح أمامه ، وليس مضطرا الى مجاملة رئيسه في العمل ولا يخشى قطع رزقه بسبب آرائه ، كما هو الحال في العراق مثلاً .

السياسة في  بلداننا لها علاقة مباشرة بحياة الصحفي ومستقبله ولا يمكن له ، ان يتجاهل ما يحدث حوله ممن احداث ساخنة وتطورات سياسية متلاحقة . وإضافة الى هذا الصنف من الصحفيين ، ثمة في العراق الخاضع لسلطة حزب الدعوة الحاكم  عدد كبير من الطارئين على مهنة الصحافة ، وأصحاب الأقلام المأجورة ، الذين لا يمتلكون ثقافة أو موهبة ، وتحولوا الى أبواق للدجل والشعوذة  وأدوات للمهاترات السياسية .

بقلم: د.خالد ممدوح العزي .

مواضيع ذات صلة



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *