توزيع الثروة لصالح الفقراء.. صنع نعشها النظام وسار في الجنازة

22 نوفمبر، 2012 1:28 ص 143 مشاهدة

عادة توزيع الثروة لصالح الفئات المهمشة اقتصادياً واجتماعياً، غيّبها النظام السوري طيلة العقود الماضية، بسبب السياسات الاقتصادية المحابية للأغنياء والفاسدين والمتنفذين في السلطة، فثمار النمو لا يحصدها إلا 10 % فقط من المواطنين، في حين يبقى السواد الأعظم من الشعب خارج هذه الدائرة.

 

ولعل تصريح وزير المالية في النظام السوري محمد الجليلاتي قبل أيام يأتي في السياق ذاته، حيث أشار إلى أن الأغنياء في سوريا هم فقط 70 شخصاً على مستوى البلاد، معترفاً بسوء توزيع الدخل القومي، لكن لا يبدو أن هذا الاعتراف سينتهي إلى تغيير البنية الهيكلية للاقتصاد السوري، كونها قائمة أساساً على حماية ورعاية مصالح الفئة القليلة من أغنياء البلاد، وإن صدق رقم وزير المالية فهذا يعني أن الأغنياء لا يتجاوز عددهم الأشخاص المتنفذين في السلطة وأبنائهم.

 

الفقراء والأشد فقراً

 

وبغض النظر عن الرقم الذي يمكن أن يكون ملامساً فعلاً للواقع السوري في اقتصادٍ أخذت الطبقة الوسطى فيه طريقها نحو الهبوط إلى مستويات الفقر والأشد فقراً، واستمر الأغنياء في حصاد ثرواتهم والتهامهم لخيرات البلاد وقوت العباد، فالعدالة في توزيع الدخل تتطلب أولاً تحديد الحجم الحقيقي للناتج القومي، وتوزيع أرباحه بشكلٍ عادل بين كل فئات الشعب المشاركين في العملية الاقتصادية، وهذا من غير الممكن تحقيقه في الاقتصاد السوري بسبب تجذر الفساد، وبناء القواعد التشريعية في البلاد بما يتناسب مع مصالح الأشخاص السبعين الذين ذكرهم وزير المالية السوري.

 

وأولى معطيات إمعان النظام السوري في العمل على سحق قدرات فئات الشعب المهمشة اقتصادياً لصالح أصحاب الثروات، يمكن تقديرها من خلال موضوع الضرائب التي يتم اقتطاعها بنسبة تصل إلى 11 % من الأجور في حين أنها لا تتجاوز 1 % من الأرباح، ما يعني أن الاقتصاد السوري قائم على أساس حماية مصالح المستأثرين بالاقتصاد، على حساب السواد الأعظم من الشعب، ووفقاً للأرقام فإن الأغنياء في سوريا يحصلون على ما نسبته 50 % من الدخل القومي، في حين أن الفقراء لا يحصلون على أكثر من 10 % منه، بينما الطبقات الأِشد فقراً لا تحصل على أكثر من 5 % من الدخل القومي.

 

ورغم أن نسبة الضرائب على الأرباح لا تتجاوز 1 % إلا أنها أيضاً غير محصّلة، وهنا يؤكد أحد الخبراء على التفاوت المرعب في توزيع الدخل القومي، مشيراً إلى أن عدالة توزيع الدخل بأحد معانيها تتطلب إنهاء حالات التهرب الضريبي، والذي بلغ وفق آخر الأرقام الرسمية 200 مليار ليرة سورية، حيث لم يعد ممكناً الاستمرار في أخذ الضرائب من جيوب الفقراء بدلاً من التوجه إلى الأغنياء، أي أن الضريبة بحسب الملاءة المادية وليس حسب إمكانية التحصيل الضريبي، فالدولة تقتطع الضريبة من الأجور مباشرةً، وهذا ما لا يمكن تحصيله مع ذوي الدخل اللا محدود، وهنا يمكننا أن نذكر أنه في وقتٍ من الأوقات كانت الحكومة في سوريا تعمل على الإعفاءات الضريبية لكبار المستثمرين بحجة جذب الاستثمار، في حين أنها استمرت في اقتطاع الضرائب من جيوب الفقراء وذوي الدخل المحدود، لتحجب عن خزينة الدولة مليارات الليرات لصالح أشخاص من ذوي الدخل اللا محدود، ويضيف الخبير: حتى لا يؤخذ الكلام بمنحى آخر أريد التأكيد أنه في ذلك الوقت كان الأهم بالنسبة للمستثمر إنهاء العمل في قانون الطوارئ، أكثر من الإعفاءات الضريبية.

 

إعادة توزيع الثروة

 

وإلى جانب العدالة الضريبية، فإن إعادة توزيع الثروة تشترط أيضاً اجتثاث الفساد من الاقتصاد السوري الذي يلتهم ما نسبته 40 % من الناتج المحلي، وتوزيعه من جديد لصالح عموم الشعب، عبر إعادته إلى الدورة الاقتصادية، وهذا ما لن يتحقق في ظل الواقع الحالي لكتلة الرواتب والأجور، ونسبتها من الدخل القومي، حيث تصل في أفضل الأحوال إلى 25 %.

 

وفي ظل هذه المعطيات نجد أن النظام السوري لم يعمل في يومٍ من الأيام على تغيير هذه القاعدة، كما لم يحاول إيجاد القنوات التي يمكن من خلالها تحسين مستويات المعيشة بالنسبة للمواطنين، والأدهى من كل ذلك أن النظام لم ينفذ مسوحات لتحديد الشرائح الاجتماعية والاقتصادية في البلاد منذ عام 2004، والتي فيها كانت نسب الفقر الأدنى تصل إلى 13 %، ونسب الفقر الأعلى تزيد عن 30 % أي أننا نتحدث عن ثلث الشعب السوري، وحتى محاولات زيادة الرواتب والأجور، كانت دائماً زيادة اسمية غير حقيقية، لأن ما يقابلها من ارتفاع للأسعار كان يخفض قيمتها بدلاً من أن يرفعها، ففي فترات الاستقرار لم تنخفض معدلات التضخم عن 20 % وفق الخبراء والمراقبين، فما يعطى في يد النظام اليمنى يؤخذ مضاعفاً في اليد اليسرى.

 

ويبدو أن النظام في سوريا منذ عقود يعمل على ترسيخ الفجوة أكثر فأكثر بين الأغنياء والفقراء، لأسبابٍ تتعلق بعدم تفريطه في امتلاك البلاد سياسياً واقتصادياً، فعدالة توزيع الدخل ستعني بالضرورة إنهاء سني العسل بين متنفذي السياسة والاقتصاد، والقائمة أساساً على حساب السواد الأعظم من الشعب السوري.

مواضيع ذات صلة



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *