روسيا والطاقة الجديدة في البحر المتوسط

18 يناير، 2014 4:43 م 121 مشاهدة

خالد ممدوح العزي


سؤال يطرح نفسه على كل المحافل الدبلوماسية والسياسية وأيضا على عامة الناس، لماذا تصر روسيا “البوتنية” على دعم نظام الأسد الذي سقط شعبيا وأخلاقيا، من خلال قتله لشعبه بالسلاح الروسي. الذي تسلمه إياه وفقا لمعاهدات دولية كما تدعي.

روسيا تحاول إثبات قوتها المستجدة على الساحة الدولية وعرض قدراتها العسكرية والاقتصادية الصاعدة بظل الطلب المتزايد على الطاقة.

لقد ضاق صدر روسيا ورئيسها فلاديمير بوتين من الغرب وغطرسته، فالغرب لم يعامل روسيا بكونها قوة ودولة كبرى في العالم بل قلل من احترامها ونكث بكل وعوده نحوها، لكن الجواب الأساس على هذا السؤال يبقى في الخفاء في عملية الصراع الدولي، أو “لعبة الأمم “، هي السيطرة على مصادر الطاقة.

الصراع على مصادر الطاقة

لقد بدأ الصراع على مصادر الطاقة فعليا عندما تم توقيع اتفاق القرن العشرين أذربيجان -أميركا والذي سمى بخط أنابيب جيهان باكو. وقتها كانت روسيا تعاني من انهيار اقتصادي واجتماعي وعسكري وأخلاقي لم تستطع المحافظة على حقوقها والتي اعتبرت تدخلا في شؤونها الداخلية.

لكن روسيا اليوم تعتبر المعركة في سوريا هي معركتها التي يتم من خلالها إبعادها عن مناطق الطاقة المستجدة في البحر الأبيض المتوسط حيث كانت موعودة باستخراجها وحدها بسبب سيطرة حلفائها على هذا الهلال النفطي.

الامن النفطي هو المشكلة الاساسية التي تعاني منها دول العالم والتي يزداد الطلب عليها، فوجود النفط الواعد في هذه المنطقة لدول المتوسط وتحديدا العربية منها فتح شهية الصراع على مصراعيه بين القوى الكبرى من اجل الحفاظ على مصالحها وتأمين استمرارية قوتها الاقتصادية والصناعية المعتمدة على الطاقة، ما أدخلها في حلبة الصراع والأحلاف.

الاستراتيجية الروسية الجديدة

روسيا البوتينية التي اعلنت نفسها قوة عظمى في مجال النفط والغاز والطاقة النووية بسبب المخزون الهائل في مناطقها الجغرافية وقوتها التقنية والعلمية الموروثة عن العصر السابق ساعدها في استخراج هذا المخزون ما جعلها اعتماد استراتيجة جديدة في الألفية الثالثة. تعتمد روسيا على القوة الطبيعية في حربها القادمة. وبهذا المجال يكتب الباحث الجيوسياسي خطار ابو دياب في جريدة الجمهورية اللبنانية”بتاريخ 8 نيسان 2013 بعنوان “السياسة الروسية في شرق المتوسط بين قاعدة طرطوس واكتشاف الغاز” ان الحفاظ على المصالح الاقتصادية حق لكل الدول ولكن ليس على حساب الشعوب الاخرى.

فالقوة النفطية وارتفاع الأسعار عالميا هو الذي ساعد روسيا الحالية على إعادة دورها من خلال قدرات مالية واقتصادية هائلة ، الذي ساعد على إعادة دورها كلاعب قوي بعد 20 عام من التهميش الدولي بسبب الانهيار الذي حلّ على الاتحاد السوفياتي ودول المعسكر الاشتراكي .

ان عملية البحث عن مواقع جديدة للنفط والطاقة بأقل كلفة وأكثر أمانا للبيئة والسكان بعد تزايد الحوادث الناجمة عن اعتماد المفاعلات النووية لإنتاج الكهرباء. وبظل ارتفاع أسعار النفط كان هم كل الدول الكبرى وروسيا من بينهم، وبناء على ذلك يشهد العالم حاليا صراعا دوليا حادا على موارد النفط ومراكز تواجده الذي يتركز بشكل خاص في منطقة الشرق الأوسط إفريقيا، وآسيا الوسطى وروسيا، وهي الدول المنتجة والحاضنة له .

أوروبا تعتمد كليا على الغاز والنفط الذي يتم استيراده من هذه الدول، فالجميع يتنافس على طرق آمنة لنقل النفط والغاز إلى الدول الصناعية وإيصاله للأسواق العالمية وخاصة بعد اشتداد المنافسة فيما بينهم.

روسيا وايران الاصدقاء الاعداء

الصراع الايراني مع اميركا هو صراع على الاعتراف بالنفوذ الجيو-سياسي لإيران الطامحة لقيادة المنطقة برمتها. من هنا تبرز أهمية التحالف الروسي-الايراني-السوري للسيطرة على مصادر الطاقة..

ايران التي تخوض حربا للسيطرة على مضيق هرمز وتخوض حربا في اليمن من اجل السيطرة على مضيق باب المندب من خلال دعمها للحراك الجنوبي في عدن والحوثيين، و في الكويت والبحرين وفي لبنان ودعمها لقطاع غزة عن طريق حلفائها في حركة حماس والجهاد الاسلامي وتحالفها المميت مع النظام في سوريا للبقاء على منافذ الساحل السوري، وسيطرتها على جزر الإمارات العربية الثلاث.

إذا النفوذ الإيراني يكمن في التحكم بالمنافذ البحرية العربية لطرح استراتيجية جديدة قائمة على قوة ايران العسكرية من خلال سيطرتها من المنافذ البحرية وهنا يمكن العودة الى الاستراتيجية الالمانية القديمة القائمة على وجود قوة عسكرية ثابتة وقوة مائية متحركة، فالقوة المائية أقوى عسكرياً نتيجة قدرتها على التحرك والذي يمكنه السيطرة على البحر يكون الاقدر على التحرك والاقوى عسكريا.

المصالح فوق كل اعتبار

ان الاكتشافات النفطية الواعدة في البحر المتوسط، وبحكم وقوعها القريب من دول الاستهلاك الاوروبي، ستحول هذه المنطقة الى مركز رئيسي للطاقة على مستوى العالم، وخاصة من خلال ربطها بخطوط الغاز والنفط وشبكات الكهرباء بين قارات “آسيا وافريقيا، وأوروبا” عن طريق مصر وتركيا مرورا بسوريا. تمثل تركيا بوابة للغاز الجديد المستخرج من القوقاز وبحر قزوين وآسيا الوسطى وصولا الى مركز التجميع والتوزيع الأوروبي في مدينة “بومجارتن” النمسوية في وسط أوروبا الغربية .

لقد انشأت تركيا خط ربط الغاز القوقازي المعروف باسم خط “نابوكو” والذي سيتم ربطه لاحقا بالخط العربي من خلال مدينة بانياس السورية في حمص وصولا للحدود التركية جنبا الى جنب مع ربط خطوط شبكة الكهرباء في دول المشرق العربي بشبكة الكهرباء التركية- الاوروبية عبر تركيا، ولهذه الاسباب سيكون لسوريا دورا رئيسيا في عملية الربط بسبب موقعها الجغرافي، والتي تلتقي فيها كل الروابط الآسيوية والاوروبية التي تحاول تصدير النفط الى اوروبا الغربية، اضافة الى الاكتشافات للعديد من الحقول الجديدة على الساحل السوري وبالقرب من القاعدة الروسية في طرطوس ومن الحدود اللبنانية. اما ايران فإنها تحاول تصدير غازها الى اوروبا عن طريق خط نابوكو عبر خط العراق سوريا تركيا الذي أُنشأ منذ العام 2009.

فالانابيب التي يتم بناؤها هي للتخلص من قيود الانابيب الروسية والتقليل من غازها المصدر الى اوروبا حيث باتت روسيا دولة احتكارية لهذه الثروة الطبيعية في محاولاتها الدائمة للتأثير على الاقتصاد العالمي .

فالاهتمام الروسي بسوريا يعود الى اكتشاف ثروتها الجديدة والواقعة في جدول الاولويات السياسة الروسية التي تعتمد بالاساس على الثالوث: “الجيو-سياسي، المال، والثروة ” في ممارسة سياستها الجديدة حسب وصف د.خطار ابو دياب الخبير بالجيو-سياسة.

لقد اعتمد الروس بعد الثورات العربية على الخطاب العدائي لهذه الثورات الوليدة من خلال التشكيك فيها والترويج لدعاية عالمية تحذر من “الاسلام المتطرف”.

اما بالنسبة للغاز الاسرائيلي: فان روسيا تعرض نفسها بكونها دولة استقرار للمنطقة بظل وجود جالية يهودية روسية تربطها بهاعلاقات مميزة اضافة الى قدراتها الاقتصادية والمالية والسياسية، من خلال التنافس الودي بين روسيا واميركا لحماية أمن اسرائيل.

اما فيما يخص الغاز التركي وخطوط النقل فان روسيا تحاول التقرب من تركيا عبر عروضات للشراكة الاقتصادية وبناء محطات للطاقة وتطوير التجارة، والتي تمثلت بزيارة الرئيس بوتين الاخيرة الى تركيا .

الشرق الاوسط وصراع الاضداد

فالاهمية الجيو- ساسية للشرق الاوسط تاتي نتيجة تصاعد أهمية السيطرة على الغاز الطبيعي حيث تبرز مدى أهمية الغاز في السياسة والاقتصاد نظرا للأسباب التالية :

-لأن الغاز مصدر نظيف وصديق للبيئة والامثل للاستبدال محطات توليد الكهرباء. والذي يساعد الدول الاروبية في تخفيض ثاني اوكسيد الكربون الاجباري بحلول العام 2020.

-التكلفة الاقتصادية للغاز اقل من اي مصدر بديل للطاقة، فالغاز مصدر رائع ومضمون للاتحاد الاوروبي والغرب .

تحاول روسيا التحكم بهذا المصدر بالرغم من محاولة قطر تهديد اسواق روسيا وخاصة في دول حديقتها الخلفية “اوكرانيا، بيلاروسيا، وجورجيا”.

لان الحقول الجديدة التي تم اكتشافها في دول الشرق الاوسط وخاصة في سوريا يجعل روسيا اكثر تعنتاً وتشدداً بالتمسك بالملف السوري بسب الشجع والطمع .

فالزيارة الماراتونية الاخيرة لمبعوث الرئيس الروسي بوتين مخائيل بغدانوف الى لبنان والتي حملت معها رسائل كثيرة للأطراف اللبنانين لم تخلُ من البحث عن مستقبل الغاز وماهو دور روسيا في عملية التنقيب بالوقت التي استقبلت وزارة الطاقة اللبنانية طلبات الترشيح للشراكات الدولية ومن بينها شركات روسية .

بقلم: د. خالد ممدوح العزي

مواضيع ذات صلة



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *