كورد سورية: بين ماضٍ مضطّربٍ ومستقبلٍ غير مؤكّد

1 ديسمبر، 2012 1:17 ص 168 مشاهدة

مع انسحاب الجيش السوري من بلدات عدّة شمال البلاد وشمال شرقها في تموز/يوليو 2012، وجد الأكراد أنفسهم متمكّنين بعد معاناتهم من الدكتاتورية والتهميش السياسي على امتداد أكثر من 40 عاماً. وغداة الانسحاب المفاجئ للأجهزة الأمنية للدولة، أقدم حزب الاتحاد الديمقراطي، أي الشعبة السورية لحزب العمال الكردستاني، والمجلس الوطني الكردي المؤلف من 16 حزباً سياسياً، على إبرام اتفاقٍ سياسيٍّ ينصّ على تأسيس مجلس أعلى كردي مشترك. كما أنشآ أيضاً “قوات الدفاع الشعبي” من أجل تأمين المكاسب الكردية.

لكن، وعلى الرغم من التدليل على وجود التعاون الكردي، تعثرت القدرة العملانية للمجلس الكردي الأعلى بفعل توزيعٍ غير متكافئ للنفوذ بين حزب الاتحاد الديمقراطي المُهيمِن من جهة، وبين المجلس الوطني الكردي الأضعف من جهة أخرى، وتمثيلهما غير المتساوي في المناطق الكردية الثلاث الرئيسة في شمال سورية.

يعزو بعض المراقبين نجاح حزب الاتحاد الديمقراطي في السيطرة على مناطق كردية بعد انسحاب قوات الأمن السورية منها، إلى اتفاقٍ سريٍّ محتملٍ مع النظام. لكنّ لبروز الحزب في شمال سورية كالطرف الرئيس الممثل للساحة الكردية السورية، جذور أعمق، فقد يُفسَّر بشكل أفضل عبر تعزيز حظي به الحزب من المناطق الكردية المنفصلة الثلاث في شمال سورية منذ نشوء الدولة السورية، والتحالف التاريخي بين النظام السوري وحزب العمال الكردستاني، والضعف التقليدي للأحزاب السياسية الكردية الأخرى في سورية.

ثلاث مناطق منفصلة، ثلاثة مسارات تاريخية متمايزة

يحتلّ أكراد سورية ثلاث مناطق ضيّقة منفصلة بموازاة الحدود التركية من الشرق إلى الغرب، هي: الجزيرة العليا وجرابلس وكرد داغ (جبل الكرد)،. وتُعَدّ مدن القامشلي وكوباني وعفرين على التوالي، المراكز الحَضَرية الرئيسة في تلك المناطق. ويشكّل الأكراد مجتمعات حضرية مهمة أيضاً في كلٍّ من حلب ودمشق والرقّة. كذلك، حافظت بعض القبائل الكردية في الجزيرة العليا على علاقتها بأنسبائها في طور عابدين وتركيا ومحافظة دهوك العراقية، عن طريق الزيجات والتجارة.

وعلى مرّ التاريخ، كانت منطقتا كرد داغ وجرابلس أقلّ من منطقة الجزيرة العليا ارتباطاً بالنشاط السياسي الكردي. ففي عهد الانتداب الفرنسي على سورية، أصبحت الجزيرة العليا مركزاً للسياسة الكردية بعد أن أمّها عدد من زعماء القبائل والمفكرين الأكراد هرباً من القمع التركي. ونتيجةً لذلك، جرى في البدء توجيه الأنشطة السياسية الكردية هناك نحو تركيا. وبين عامي 1927 و1930، عمد قادة من الأكراد السوريين إلى تنظيم تمرّد عسكري في شمال شرق تركيا ضدّ الحكومة التركية، وأرسوا دعائم حركة نهضة ثقافية بلهجتهم الكرمنجية، وكل ذلك بالتواطؤ مع السلطات الفرنسية.

أما منطقتا كرد داغ وجرابلس، فتطورّتا على نحوٍ مختلفٍ. ففي الأولى، نجح الشيخ إبراهيم خليل في جمع مئات المناصرين (مرود) وأطلق حركة دينية في منتصف الثلاثينيات. ولم تكن ثورة المرود موجّهة ضدّ الفرنسيين وذات طابع ديني فحسب، إنما شكّلت أيضاً مصدر تحدٍّ لملاك الأراضي الأكراد الذين استمالتهم سلطات الانتداب. وتمكّن المتمرّدون بفضل هذه الثورة من وضع حدّ لنفوذ ملاك الأراضي على المستويين الاقتصادي والاجتماعي، وتفكيك البنى القبلية في كرد داغ. ومن هذا المنطلق، ينظر أكراد كرد داغ إلى أنفسهم على أنهم أكثر “حداثةً” من معاصريهم في الجزيرة العليا حيث لاتزال الديناميكات العشائرية والقبلية على حالها. أبقى الأكراد في جرابلس على موقفٍ حيادي تجاه المرود والحركات الكردية، مع أنّ بعض زعماء القبائل نشطوا في السياسة الكرديّة، وظلّت المنطقة إلى حد كبير بمنأى عن التطورات التي شوهدت في أماكن أخرى.

تأسيس الحزب الديمقراطي الكردستاني في سورية وانقسامه

تعمّقت التغيرات في الجزيرة العليا بعد إنتهاء الانتداب الفرنسي وإطاحة النظام الملكي في دولة العراق المجاورة في العام 1958. وكان الزعيم الكردي العراقي مصطفى البارزاني قد أسس الحزب الديمقراطي الكردستاني العام 1946، الأمر الذي تمخّض عنه منظمة شقيقة هي الحزب الديمقراطي الكردستاني في سورية الذي تأسس في الجزيرة العليا. وفي العام 1958، أرسى البارزاني تحالفاً مع الزعيم العراقي عبد الكريم قاسم، ولكن بعد انحلال تحالف بين البارزاني وقاسم في العام 1961، اجتاز مئات الأكراد السوريين من الجزيرة العليا الحدود ودخلوا منطقة شمال العراق للانضمام إلى صفوف قوات البارزاني في ثورتها ضد الحكم في بغداد. هذا وواصل الحزب الديمقراطي الكردستاني في العراق إحكام قبضته على منطقة الجزيرة العليا حتى بعد وفاة البارزاني في عام 1979.

إلى ذلك، اتخذت الدولة السورية في مرحلة مابعد الإنتداب الفرنسي تدابير وإجراءات بحق الجزيرة العليا، نظراً إلى الطموحات القومية للأكراد السوريين في المنطقة، وبدأ المسؤولون السوريون بمكافحة “الخطر الكردي” المزعوم في هذه المنطقة. وهكذا، أعّدت السلطات السورية عام 1962 “إحصاءً سكانياً” في محافظة الحسكة المجاورة، نجم عنه تجريد 120 ألف كردي من جنسيتهم بحجة أنهم ليسوا سوريين “أصليين”، إنما دخلوا الأراضي السورية بطريقةٍ غير شرعية من تركيا والعراق. وفي العام 1973، سعى نظام حزب البعث إلى إرساء حزام عربي على طول الحدود التركية. ونتيجة ذلك، خسر آلاف الأكراد منازلهم وأملاكهم، وفي وقت لاحق احتُلّت قراهم من قبل مستوطنين عرب غُمرت أراضيهم بالمياه عقب امتلاء سدّ الطبقة عام 1975.

عجز الحزب الديمقراطي الكردي في سورية عن التصدّي لهذه التحديات. وفي العام 1970، شهد الحزب انقسامه الأول، ومرد ذلك بشكلٍ رئيس لاختلافات على مستوى الأجيال أو المعتقد (يمين مقابل يسار)، الأمر الذي مهّد الطريق لحصول المزيد من الانقسامات: بحلول أواخر الثمانينيات، بات هناك عشرة أحزاب كردية على الأقل في أوساط عددٍ من السكان لايتعدى من مليون نسمة، مع أنّ الفوارق في أجنداتها كانت ضئيلة. وهكذا تخلّى العديد من الأكراد المُحبَطين عن الأحزاب التي تهمّش معظمها. وهذا ماسمح لحزب العمال الكردستاني الذي تأسّس كحركة حرب غوار متجذّرة شرق تركيا عام 1978، أن يثبت وجوده في سورية، بسرعة.

صعود حزب العمال الكردستاني والتحالف مع الأسد

أصبح الأكراد طرفاً مباشراً في التوترات المتصاعدة بين سورية وتركيا. وتعود هذه التوترات إلى العام 1939 مع نقل سنجق الاسكندرون السوري – الذي كان سابقاً لواءً إدارياً في الإمبراطورية العثمانية – إلى السيادة التركية. وقد تفاقمت هذه التوترات عندما عمدت تركيا، في أواخر السبعينيات، إلى بناء سدود على نهر الفرات، مهدِّدةً بذلك مصدر مياه سورية. وهذا مادفع بالرئيس السوري آنذاك حافظ الأسد إلى السماح لحزب العمال الكردستاني بإطلاق عملياته العسكرية ضدّ الجيش التركي من قواعد له في شمال سورية. وحتى في يومنا هذا، يمثّل الأكراد السوريون، وفقاً لبعض التقديرات، مايصل إلى 25% من مقاتلي حزب العمال الكردستاني.

طوال الثمانينيات، لاقت دعوة حزب العمال الكردستاني إلى إقامة دولة كردستان الموحّدة والمستقلّة، في طبقات المجتمع الكردي السوري كافة. ورأى كثيرون أن خطاب حزب العمال الكردستاني الداعي إلى “الكردي الجديد”، ساهم في إعادة إحياء أو تكوين هوية كردية مشتركة، ووضَعَ الأكراد على قدم المساواة مع العرب. وقد أثار الصراع المسلّح الذي قاده الحزب أيضاً مشاعرَ التعاطف لدى الأكراد السوريين، لأنه وفّر إمكانية تحقيق إنجازات سياسية ملموسة، وذلك خلافاً للأنشطة السياسية التي اضطلعت بها الأحزاب الكردية السورية الأخرى والتي نادراً ما أتت أكلها.

ووجد أكراد سورية في عبد الله أوجلان، زعيم حزب العمال الكردستاني المتميِّز بشخصيّته الجذابة، تجسيداً ثانياً شبه أسطوري للقومية الكردية بعد شخصية الراحل مصطفى البارزاني. وفي مناطق مثل كرد داغ (جبل الكرد) وجرابلس، استطاع الحزب أن يملأ الفراغ الذي تركته المنظمات الكردية الأخرى المتمركزة بشكل رئيس في الجزيرة العليا ودمشق. كذلك، أقام مسؤولو الحزب، الذين يتمتّعون بتنظيم جيد ويحظون بدعم النظام السوري، شبكات فعّالةً للغاية في تلك المناطق، وتمكّنوا من كسب موارد مالية كبيرة من المؤسسات التجارية المملوكة لأكراد. ووجد شباب المناطق الفقيرة، كالدرباسية وكوباني، أن انخراطهم في الحزب قد يتيح لهم تحقيق تقدّم اقتصادي واجتماعي. زِد على ذلك أن التقارب القائم بين السلطات السورية وحزب العمال الكردستاني سمح للعصابات المنظّمة التي يدرّبها هذا الأخير، بالسيطرة على التجارة غير الشرعية المربحة بالمخدرات والأسلحة على طول الحدود التركية-السورية.

تحالف فعداء إلى تحالف

لم يكن التحالف مع حزب العمال الكردستاني من دون تكلفة على الحكومة السورية. فحرية الحركة النسبية التي مُنِحَت لحزب العمال الكردستاني أدّت إلى إعادة إحياء الهوية الكردية وتوطيد القومية الكردية في سورية. وكانت النتيجة السياسية الأكثر وضوحاً في هذه الديناميكية اعتماد الأحزاب الجديدة، مثل حزب يكيتي (الوحدة)، مصطلحَ “كردستان سورية” للإشارة إلى شمال سورية، عوضاً عن المصطلح التقليدي “المناطق الكردية في سورية”. في المقابل، اتّضح أيضاً أن التعاون الاستراتيجي بين “أقلية تابعة” و”دولة سيّدة” كان ينطوي على كثير من المخاطر بالنسبة إلى حزب العمال الكردستاني. فبعد أن شعرت سورية بتهديد التحالف التركي-الإسرائيلي في العام 1996، ونظراً إلى اعتمادها على مياه الفرات، رضخت في نهاية المطاف إلى الضغط التركي، فسحبت كل الدعم الذي كانت تمنحه لحزب العمال الكردستاني وطردت عبد الله أوجلان من دمشق.

عقب وفاة حافظ الأسد في العام 2000 وتسلُّم ابنه بشار سدّة الرئاسة، أخذت العلاقة بين سورية وحكومة رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان في التحسّن سريعاً. فسُلِّم عشرات الناشطين التابعين لحزب العمال الكردستاني والمتمركزين في سورية، إلى السلطات التركية، فيما صدرت أحكام بالسجن تراوحت مابين سنة وعشر سنوات بحقّ مقاتلي الحزب السابقين العائدين إلى سورية. لكن تمكّن مقاتلو الحزب السوريون، رغم هذا الجو المعادي، أن يؤسّسوا حزب الاتحاد الديمقراطي في العام 2003 الذي يتوخّى هدفَين: تجنّب القمع الذي تمارسه الدولة، والحفاظ على تأييد آلاف أعضاء حزب العمال الكردستاني ومناصريه.

ظلّت علاقة الاتحاد الديمقراطي مع النظام السوري مبهمةً منذ تأسيسه. ففي حين وعدت دمشق أنقرة طوال التسعينيات بمكافحة تواجد حزب العمال الكردستاني في سورية، أبقى بشار الأسد على قنوات تواصلٍ عدة مع حزب الاتحاد الديمقراطي.

وعندما اندلعت الثورة السورية في آذار/مارس 2011 وانهارت العلاقات السورية-التركية، عَكَس الأسد المسار الذي كان يتّبعه. فسمح لرئيس حزب الاتحاد الديمقراطي، صالح محمد مسلم، بالعودة إلى سورية، وشجّع حزب العمال الكردستاني على توطيد وجوده في شمال البلاد. وبعد مرور ثلاثين عاماً على توقيف أوجلان وسجنه من قبل السلطات التركية، وجد النظام السوري وحزب العمال الكردستاني نفسَيهما مجدداً مرتبطَين في تحالفٍ بحكم الضرورة.

نحو تعزيز كردستان سورية؟

أفسح الانسحاب الجزئي لقوات الأمن السورية من شمال سورية، في صيف العام 2012، المجالَ أمام حزب الاتحاد الديمقراطي ليصبح القوة السياسية الرئيسة في تلك المناطق. فأحكمت ميليشياته سيطرتها على الطرق الرئيسة والمعابر الحدودية وبعض الوظائف الإدارية في عفرين وديريك وغيرها من البلدات والقرى الصغيرة. في موازاة ذلك، وافق حزب الاتحاد الديمقراطي على التعاون مع المجلس الوطني الكردي في مراكز حضَرية مهمة في البلاد مثل منطقتَي كوباني وعامودا.

مع ذلك، ثمة علاقة قوّة غير متوازنة بين المعسكرين يعيها الطرفان. فبفضل الموارد المالية التي يمتلكها حزب الاتحاد الديمقراطي، والدعم الشعبي التقليدي الذي يحظى به في كرد داغ وجرابلس، والشبكات التي أقامها أصلاً، وتشكيله المبكر لميليشيات مسلحة، استعاد مركزيّته على الساحة الكردية في سورية.

بيد أن هيمنة حزب الاتحاد الديمقراطي لم تَسلَم من المعترضين عليها. فالأكراد في بعض المناطق “المحرّرة” يرفعون صوتهم أكثر فأكثر منتقدين حزب الاتحاد الديمقراطي وحزب العمال الكردستاني ومعبّرين عن خيبة أملهم إزاء سلوكهما السلطوي الذي يذكّر بسجّل النظام السوري في هذا المجال. في مقابل ذلك، أدّى أيضاً كلٌّ من تدخُّل حكومة إقليم كردستان – وخصوصاً رئيسها مسعود البارزاني – بوصفها “حامية” أكراد سورية، والتحذيرات التركية من احتمال تدخل تركيا العسكري ضدّ قواعد حزب الاتحاد الديمقراطي في المنطقة الحدودية، إلى عرقلة طموح حزب الاتحاد الديمقراطي بالسيطرة على المناطق الكردية الثلاث.

وكحدّ أقصى، سيعمد حزب الاتحاد الديمقراطي والمجلس الوطني الكردي إلى رصّ الصفوف في وجه المخاطر الخارجية، مع الاستمرار في التنافس على السلطة في مختلف المناطق الكردية. وهذا الأمر قد يولّد نمطاً من النفوذ المتنوّع يشبه ماحصل في شمال العراق، حيث بسط الحزب الديمقراطي الكردي والاتحاد الوطني الكردستاني سيطرتهما على مناطق مختلفة، لكن ربما من دون بلوغ حدّ الاستقلال الذاتي الكامل الذي حقّقته حكومة إقليم كردستان العراق.

صحيح أن توطيد الهوية والاستقلال الذاتي الكرديَّين في سورية يبدو عملية لايمكن إيقافها في الوقت الحالي، إلا أنّه قد يتعرقل بفعل الاختلافات الاجتماعية التي تسبق قيام الدولة السورية والتوجّهات السياسية المتباعدة الناجمة عنها والتوزيع غير المتكافئ للقوى بين الأحزاب السياسية الكردية في المناطق الكردية الثلاث في شمال سورية.

أستاذ باحث في قسم التاريخ الدولي، في المعهد العالي للدراسات الدولية والتنمية في جنيف.

مواضيع ذات صلة



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *