مستقبل النفط في العراق وصراع القائم بين العرب والكورد

7 ديسمبر، 2012 10:58 م 171 مشاهدة

في 26 تشرين الثاني/نوفمبر اتفق المسؤولون العراقيون على الاستعانة بلجان التنسيق لتهدئة التوتر الحاصل بين القوات الاتحادية وقوات البشمركة الكردية المحلية في شمال البلاد. وفي 16 تشرين الثاني/نوفمبر عُقد اجتماع في بغداد لبحث الأزمة – حضره كبار المسؤولين الاتحاديين والأكراد إلى جانب ضابط في الجيش الأمريكي برتبة فريق يمثل سفارة الولايات المتحدة – لبحث تداعيات الاشتباك الذي وقع في شمال العراق والذي أودى بحياة شخص واحد على الأقل. وبالرغم من أن الحادثة قد وقعت بعد إنشاء بغداد لقيادة عسكرية جديدة في المحافظات المجاورة، إلا أن سياسة النفط الكردية بدت وكأنها صلب النزاع.الخلفية إن الصراع القائم بين العرب والأكراد في العراق ليس وليد اليوم. فأثناء حكم صدام حسين، كان إنهاء هذا التهديد المستمر للوحدة الوطنية إحدى الأسباب التي دفعت الولايات المتحدة إلى غزو العراق عام 2003، وكان أولئك العراقيون المناوئون لصدام يشاطرون واشنطن هذا الهدف، ولا سيما الأكراد والعرب الشيعة. ولم تظهر المشاركة الكردية الكاملة في الحكومة إلا بعد سقوط صدام – على سبيل المثال، الرئيس العراقي الحالي جلال طالباني هو كردي.

لكن الاستياء ما زال قائماً، حيث أن الشكوك ترتاب العرب العراقيين من النظام الذي تتمتع به “حكومة إقليم كردستان” والذي يشبه الحكم الذاتي، بينما يريد الأكراد الحصول على ما يعتبرونه حصتهم العادلة من الميزانية الوطنية والتي تتولد في الأساس من صادرات النفط (يتلقى الأكراد حالياً 17 في المائة من عائدات البلاد الصافية من صادرات النفط).

وتزخر العراق بكميات ضخمة من النفط، مع وجود احتياطيات مؤكدة تبلغ 143 مليار برميل (بما ينافس جارتها إيران) ويمكن على الأرجح أن تساوي حقول البلاد ما تملكه المملكة العربية السعودية من احتياطيات. بيد، كان الإنتاج قد انقطع لسنوات عديدة بسبب الحروب والعقوبات. وعلى الرغم من أن بغداد تملك الآن خطط طموحة لتوسيع الصادرات، إلا أنها بحاجة لمساعدة شركات النفط العالمية. لكن امتثالها للقومية التجارية – الفكرة بأن عائدات النفط يجب ان تذهب إلى العراقيين وحدهم – جعلها تعرض على شركات النفط العالمية رسوم موحدة غير جذابة.

وعلى الرغم من أن معظم احتياطيات النفط العراقي تقع في جنوب البلاد، إلا أن النفط كان قد اكتُشف لأول مرة في كركوك قبل أي مدينة أخرى في العراق – وتقع كركوك في شمال البلاد، حيث أن عدد كبير من سكانها هم من الأكراد وهي تتاخم منطقة “حكومة إقليم كردستان”. وحالياً يقدر ما تملكه كردستان من النفط ما يزيد عن 40 مليار برميل، فضلاً عن احتياطيات كبيرة من الغاز. وكان الدستور العراقي الذي تمت صياغته عام 2005 قد وضع مبدأ الإدارة المشتركة التي تجمع بين الإدارة الاتحادية وإدارة “حكومة إقليم كردستان” على ما يسمى بـ “الحقول الجديدة”، مثل تلك الموجودة في كردستان، مع استمرار الجدل حول درجة التحكم الكردي والمكاسب المحققة من اتفاقيات تقاسم الإنتاج. ويشار إلى أن الأكراد يفضلون هذه الاتفاقيات، فيما تعارضها بغداد. وقد نتج عن ذلك قيام جمود، الأمر الذي منع إصدار قانون منظم للنفط والغاز لتنفيذ الأحكام الدستورية.

وما أثار غضب بغداد هو قيام “حكومة إقليم كردستان” بعرض عقود تنقيب – ذات تقاسم متساو للإنتاج – على شركات النفط العالمية دون موافقة الحكومة المركزية؛ وما كان من تلك الشركات إلا أن استجابت بنهم لتلك البنود المغرية. ويكمن تحت ذلك اختلاف في الرأي بين قادة “حكومة إقليم كردستان” و بغداد بشأن درجة المشاركة السيادية الأجنبية في قطاع النفط والغاز في العراق. وما فاقم من هذا الاختلاف هو الخلاف الشخصي بين نائب رئيس الوزراء العراقي حسين الشهرستاني الذي هو قطب من أقطاب الطاقة ونظيره الكردي والمدير السابق في إدارة شؤون النفط آشتي هورامي. وهناك أيضاً اختلافات أساسية حول دور أصول النفط والغاز في الحفاظ على السلام الداخلي والوحدة.

مصلحة الولايات المتحدة

لواشنطن أولويات قريبة وأخرى بعيدة المدى بالنسبة لمستقبل النفط في العراق. فبالإضافة إلى الضغط على إيران بشأن برنامجها النووي المثير للجدل، سعت العقوبات الدولية إلى ضمان تزويد الأسواق العالمية بكميات كافية من إمدادات النفط من العراق والسعودية ودول أخرى للتعويض عن التخفيضات الجبرية في الصادرات الإيرانية. ويُنظر إلى العراق على المدى البعيد بأنها مصدر حيوي لمستقبل الطاقة في العالم.

وتشير آخر التوقعات الصادرة عن “الوكالة الدولية للطاقة”، وهي هيئة حكومية دولية تعمل على تعزيز أمن الطاقة مقرها في باريس، إلى أن العراق سوف يكون صاحب “أكبر مساهمة إلى حد بعيد بالنسبة لنمو إمدادات النفط العالمية”. وقد ورد في نسخة العام 2012 من”النظرة العالمية للطاقة” التي نشرتها “الوكالة الدولية للطاقة” الشهر الماضي، أن الطلب سوف يزيد بقدر ضئيل في البلدان الصناعية الكبرى في الفترة من الآن وحتى عام 2035، لكنه سوف يزداد عالمياً بمقدار الثلث خلال الفترة نفسها، وسوف تأتي 60 في المائة من هذه الزيادة من الصين والهند والشرق الأوسط.

يذكر أن تقرير “الوكالة الدولية للطاقة” قد حظي بتغطية واسعة لما أشار إليه من توقعات بأن الولايات المتحدة سوف تصبح أكبر منتج للنفط في العالم بحلول العام 2020 ومصدرة للنفط بحلول عام 2030. وتم توجيه القليل من الاهتمام إلى البيانات التأهيلية الصادرة عن الوكالة ومفادها أنه لا توجد بلاد توصف كـ “جزيرة للطاقة”، وأنه من المرجح أن تعيد السعودية تأكيد مكانتها كأكبر منتج للنفط في العالم بحلول منتصف العقد الثاني من القرن الحالي. وقد تنبأ هذا التقرير أيضاً بأن العراق سيصبح ثاني أكبر مصدر للنفط في العالم بعد السعودية بحلول الثلاثينات من القرن الحالي، وأنه “دون زيادة هذه الإمدادات من العراق، فسوف تشهد أسواق النفط أوقاتاً عصيبة”.وعلى وجه التحديد، تنبأت “الوكالة الدولية للطاقة” بأن إنتاج العراق سوف يتجاوز ستة ملايين برميل/يومياً بحلول عام 2020 وسيرتفع الى ثمانية ملايين بحلول عام 2035، مقارنة بنحو ثلاثة ملايين ينتجها اليوم. يتعين على واشنطن مساعدة بغداد لكي تضمن أن هذا المسلسل الوردي للإنتاج سوف يأتي بثماره المرجوة على الرغم من التحديات اللوجستية القائمة والضغط الإيراني المحتمل.

التحديات الفورية

هناك تحديات قصيرة المدى تلقي بظلالها على هذه التنبؤات طويلة المدى، على سبيل المثال: هناك اشتباك يصحو حيناً ويخبو حيناً آخر بين “حكومة إقليم كردستان” وبغداد حول دفع الحكومة الاتحادية ثمن 200,000 برميل من النفط “الكردي” مما أدى إلى زيادة تعقيد المناقشة الصعبة القائمة بشأن قانون النفط والغاز. بالإضافة إلى ذلك، تم اختبار علاقات بغداد مع تركيا على نحو خطير من خلال دعم أنقرة للنشاطات النفطية لـ “حكومة إقليم كردستان”، التي تشارك فيها العديد من الشركات التركية الخاصة. وتكثر الشائعات بأن تركيا تعمل على تسهيل صادرات النفط من المنطقة الكردية، بما في ذلك عن طريق خطوط الأنابيب في نهاية المطاف، مما يؤدي بالتالي إلى تجاهل أخذ موافقة بغداد.

وبينما يشعر الأكراد بالامتنان من هذا الدعم – الذي فتح بالفعل طريقاً برياً للتصدير عن طريق الشاحنات – إلا أنهم قلقين من استمرار الود من جانب أنقرة نظراً لتاريخ تركيا المضطرب في التعامل مع جاليتها الكردية. وتشكل الاضطرابات في سوريا التي لديها أقليتها من السكان الأكراد، عاملاً آخر يؤدي إلى تعقيد الأمور. وعلاوة على ذلك، لا يرغب رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي في هدم علاقاته مع إيران.

إن التقدم في تهدئة التوترات القائمة بين بغداد و”حكومة إقليم كردستان” يتطلب نية حسنة من الجانبين. فقد تم تقديم عدة مسودات متعارضة جديدة لقانون النفط والغاز في عام 2011، ولكن لم يتم التوصل إلى حل وسط بعد. وفي غضون ذلك بدأت عمليات التنقيب في منطقة “حكومة إقليم كردستان” وزاد الإنتاج ليصل إلى200,000 برميل/يومياً. ويرى القادة الأكراد أن بإمكانهم التوصل إلى إنتاج كمية كبيرة تبلغ مليون برميل/يومياً خلال بضع سنوات، على الرغم من أن تقديرات أخرى هي أكثر حذراً.

وتستمر هذه الجرأة في التنقيب عن النفط رغم اعتماد ميزانية “حكومة إقليم كردستان” على بغداد، وقد هددت الحكومة المركزية بقطع تدفق الإيرادات إلى كردستان والذي أفادت تقارير أنها تزيد عن 10 مليار دولار سنوياً. وهناك العديد من شركات النفط العالمية التي تمتعت بذات القدر من الجرأة، حيث أبدت نيتها التخلي عن الانخراط في جنوب العراق عن طريق قبولها العروض المقدمة من “حكومة إقليم كردستان”. وصرحت الحكومة المركزية بأنها لن تتعامل مع أي شركة نفط عالمية تبرم اتفاقاً مع “حكومة إقليم كردستان”. وبغداد منزعجة بالفعل من قيام شركة “أكسون موبيل” بالتعاقد على تطوير ستة حقول في شمال البلاد في الوقت الذي تعمل فيه في جنوب العراق؛ بل إن المالكي أثار هذه المسألة في رسالة بعثها إلى الرئيس أوباما في حزيران/يونيو.

سُبل المضي قدماً

قبل الاشتباك العسكري الذي وقع في منتصف تشرين الثاني/نوفمبر، تخلت “حكومة إقليم كردستان” وبغداد بشكل مؤقت عن خلافهما طويل الأمد بشأن النفط والغاز بعد مفاوضات مكثفة بوساطة مسؤولين أتراك وأمريكيين بين شهري آب/أغسطس وتشرين الأول/أكتوبر. وقد وافقت السلطات الاتحادية على السماح بعبور بعض الصادرات الكردية عن طريق تركيا باستخدام خط أنابيب “كركوك- جيهان” الواقع تحت سيطرة بغداد، كما بادر الجانبان بمحاولة جديدة للخروج من المأزق حول قانون النفط والغاز.

وهناك صعوبة كبرى تتعلق باسترداد التكاليف أو تحديد الكم المستحق للأكراد عن النفط المنتج والمصدر. وينطوي ذلك على إجراءات محاسبية معقدة فضلاً عن حسن نية من كلا الجانبين. وهناك صعوبة أخرى تتمثل في قانون النفط والغاز في حد ذاته، والذي يتعين تكييفه بطريقة تحافظ على قانونية العقود الكردية ويشمل اتفاقات حول ملكية الأسهم بينما يحدد في الوقت نفسه تقسيم العمل في السياسة النفطية بين الحكومة المركزية والمحافظات.

دور الولايات المتحدة

إن واشنطن هي الفاعل الخارجي الوحيد الذي يتمتع بالقدرة والخبرة على دفع بغداد و”حكومة إقليم كردستان” نحو إضفاء طابع رسمي على حلول الوسط التي تم التوصل إليها هذا الصيف. ولا بد أن يمثل هذا الانخراط الدائم أولوية بالنسبة لإدارة أوباما الثانية. إن الأمل المتعلق باستفادة جميع العراقيين – من أربيل إلى بغداد والبصرة – من عائدات النفط المحتملة على مدى العقد القادم قد يُثبت بأنه الغراء الذي يبقي البلاد متماسكة. ولكن إذا أخفق الأطراف في التوصل إلى اتفاق مربح لكلا الطرفين فمن المحتمل أن يؤدي إلى زيادة العنف في شمال العراق وتدهور العلاقات بين بغداد وأنقرة. وفي أسوأ الحالات، فإن صميم الوحدة العراقية – فضلاً عن استقلال الأغلبية الشيعية في البلاد من السيطرة الإيرانية – قد تصبح مهددة.

ولتجنب حدوث ذلك، ينبغي على واشنطن أن تستمر في التأكيد على أربيل وأنقرة بأنها لن تشجع قيام نظام تصدير منفصل عبر خطوط أنابيب تمتد بين منطقة “حكومة إقليم كردستان” وتركيا. ولكن ينبغي عليها أن توضح أيضاً لبغداد أن الضغط الأمريكي وحده هو الذي سيبقي صادرات النفط والغاز – وفي النهاية كردستان ككل – تحت سيطرة الحكومة المركزية. وفي المقابل، يتعين على بغداد التوصل إلى حل وسط مع الأكراد لإبقاء تدفق النفط القادم من منطقتهم ويبقى إقليمهم تابعاً للعراق. وأي جهد نحو ممارسة تسلط اتحادي كامل قائم على التدخل في كافة جوانب التنمية الهيدروكربونية في البلاد مآله الفشل. أما لو تحلت بغداد بالمرونة، فسوف يخرج الجميع رابحون، وسيبقى العراق موحداً.

سايمون هندرسون هو زميل بيكر ومدير برنامج الخليج وسياسة الطاقة في معهد واشنطن.

مواضيع ذات صلة



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *