إنجازات بعض الفصائل السورية المعارضة تُسرق وتجيّر لصالح أخرى

4 ديسمبر، 2012 8:07 م 202 مشاهدة

باتت أشرطة الفيديو التي تسجل عمليات الفصائل المعارضة، مصدر تمويل للمقاتلين في سوريا، حيث يحرص بعض القادة على تحصينها وحمايتها من السرقة.


لندن: يحتدم التنافس في صفوف المعارضة السورية على المكانة والسمعة والموارد حتى تردد أن بعض الفصائل سطوا على أشرطة فيديو تصور عمليات فصائل أخرى لترويج نفسها. فان ناشطا صور دبابة وقعت بقبضة مقاتلي المعارضة وظل يمسك الكاميرا بيد ثابتة رغم هدير القصف وإطلاق النار في الخلفية. وبعد فترة وجيزة صُدم الناشط باكتشاف شريطه مبثوثا على الإنترنت ولكن بعد ان أُلصق عليه شعار فصيل عسكري آخر. وقال الناشط “خاطرتُ بحياتي لتصوير الفيلم وهم أخذوه”.

ولاحظ مراقبون أن قصة هذا الناشط واحدة من قصص أخرى تشير إلى ان بعض فصائل المعارضة تسرق اشرطة فيديو صورها آخرون لكي تبدو أوسع نشاطا وأكثر نجاحا من حقيقتها، وبذلك تنال نصيبا لا تستحقه من الموارد التي توزع على فصائل المعارضة، وتجعل من الصعب تقييم حجم القوى الفاعلة على الأرض تقييماً دقيقاً.
كما تؤكد هذه القصص، بحسب المراقبين، تشظي فصائل المعارضة المسلحة في وقت يسعى الائتلاف الوطني الجديد إلى بسط قدر من السلطة على انتفاضة تتطور أسرع من التحركات الدبلوماسية التي أسهمت في ولادته.

وتتعاون فصائل معارضة فيما بينها في بعض المناطق، وتشير تقارير إلى ان بعض الفصائل الصغيرة سمحت لفصائل كبيرة بمصادرة أشرطة الفيديو التي تصور عملياتها وتجييرها لصالحها مقابل إمدادات تقدمها إلى هذه الفصائل الصغيرة. ولكن قصصاً أخرى تبين أن هناك فصائل تدعي لنفسها عمليات نفذتها أخرى دون موافقة منها.
ويأمل الائتلاف الوطني باستحداث آلية تمويل مركزية باتت الحاجة ماسة اليها وتولي إدارتها بنفسه. ولكن بسبب غياب مثل هذه الآلية حتى الآن، فإن الائتلاف حتى إذا نجح في نيل دعم مالي أكبر من المجتمع الدولي، سيجد صعوبة بالغة في إقناع الفصائل المسلحة على الأرض بالتنازل عن استقلالها والإنضواء تحت لوائه.

ويجري حالياً توحيد الموارد بدرجة ما، ولكن ما زال يتعين على الفصائل المنفردة أن تؤمِّن مصادر دعم خاصة بها، وتعتمد فصائل متعددة على شبكات من المغتربين السوريين الأثرياء الذين يقيمون في منطقة الخليج اساساً.
ويتذكر ناشط شاب أن أحد الفصائل طلب منه توثيق هجومه على موقع لقوات النظام في شمال سوريا. فالمانحون يريدون تمويل وحدات لها وجود حقيقي على الأرض، وأشرطة الفيديو التي تُحمَّل عبر قنوات الكتائب المختلفة على يوتيوب وصفحاتها على فايسبوك، أصبحت واحدة من أشد الطرق التي تستخدمها الفصائل المسلحة فاعلية لإقناع الممولين بجدوى الاستثمار في هذا الفصيل أو ذاك.

كما أن أشرطة الفيديو تعزز دعوى الفصيل بأحقيته في نصيب كبير من الإمدادات المحدودة من السلاح التي تدخل سوريا لتوزيعها على قوات المعارضة. ونقلت صحيفة فايننشيال تايمز عن أبو طارق الذي يقود وحدة من المقاتلين في محافظة حماة وسط سوريا “رأينا الكثير من أشرطة الفيديو المزيفة لمجرد الحصول على تمويل”.
وقال أبو طارق إن التنافس على مصادر التمويل أصبح شديداً بمرور الوقت، مشيراً إلى ان ممولي مجموعته خفضوا دعمهم بمقدار النصف. وأوضح أبو طارق قائلاً إن هؤلاء الممولين “ظنوا أن الأمر سينتهي في غضون أشهر قليلة”.

وفي بيئة تمويل ملغومة كهذه حيث لا وجود للمحاسبة والتدقيق، يغدو الدليل الموثَّق على ما يُنفذ من عمليات المعيار الوحيد المعتمد، أو، كما قال ابو طارق بصراحة “لا تمويل من دون شريط  فيديو”.
وتكمن المشكلة في أن بعض الفصائل تستسهل تجيير إنجازات الآخرين لحسابها.

وروى ضابط منشق ذو رتبة عالية لصحيفة فايننشيال تايمز في جنوب تركيا طالبا عدم ذكر اسمه، كيف أن فصيلاً وصل إلى قاعدة عسكرية في شمال سوريا بعد أيام على نجاح فصيل آخر في انتزاعها من قوات النظام، وشرع في التصوير كأنه هو الذي حرر الموقع. وقال الضابط “انهم يصورون من أجل المال فقط” متسائلا “مَنْ يكون لديه وقت للتصوير اثناء القتال”.
ويقول الباحث آيشر بيرمان الذي يرصد استخدام فصائل المعارضة شبكات التواصل الاجتماعي في الولايات المتحدة “إن من الشائع تماما” الآن ان تبث الفصائل الكبيرة اشرطة فيديو تصور عمليات عسكرية أخذتها من تنظيمات أخرى وألصقت عليها شعارها.

وفي  لم تواجه كل فصائل المعارضة هذه المشكلة، فان تلك التي اصطدمت بمصادرة مجهودها، بلغ بها القلق حد العمل على تحصين أشرطتها ضد السرقة.  ويقوم ابو انس وهو ناشط كان مختصاً بتكنولوجياً المعلومات قبل الانتفاضة، بدور المستشار الذي تلجأ اليه فصائل مسلحة لحماية ما تصوره من اشرطة فيديو ضد سطو الآخرين عليها. وأوضح ابو انس أنه يشير على الفصائل ان تستخدم المكان و”أن تذكر المكان والوقت. واحيانا أضع موسيقى في الخلفية ولكن من الأفضل ان تُصور العملية وتُبث مباشرة”.
ويقول الباحث إميل هوكايم من مجموعة الأزمات الدولية، إن فوضى تمويل الفصائل المسلحة للمعارضة “دون قناة نظامية ودون آلية مركزية ودون احتراف في تخصيص الموارد المالية ودراسة الاحتياجات”، ستؤدي حتماً إلى مثل هذه التلاعبات واستغلال جهد الآخرين. واضاف هوكايم أن الممولين “اشخاص يعملون في شبكات صغيرة وعندما يشرعون في التمويل يشعرون وكأن هذا الفصيل أو ذاك ملكهم، ولا يكون من الصعب خداعهم”.

التمويل على الانترنت

تعتمد وحدات مقاتلين متعددة شخصاً، تكون مهمته تصوير العمليات العسكرية. وتتوفر لدى بعضها كاميرات فيديو فيما تستخدم أخرى الهواتف الخلوية. ويتولى ابو أنس تدريب عناصر من وحدات مختلفة على استخدام مواقع التواصل الاجتماعي.  ويقول ابو أنس إن افلام الفيديو التي تصور العمليات وسيلة لجمع المال من أجل تنفيذ عمليات لاحقة.
ويحذر أبو انس من عرض أعمال القتل لدى تحرير الشريط، مشدداً على عرض النتيجة النهائية للعملية. وقال ابو أنس الذي كان يتحدث وابنته ذات الثلاث سنوات في حضنه إنه يدرب المصورين على مواصلة الكلام أثناء التصوير لمنع أي فصيل آخر من من إعادة بث الشريطة وادعاء المسؤولية عن عملية لم ينفذها. وتعمد مجموعات محتالة تتظاهر بأنها كتائب أو ألوية إلى تمثيل معارك وهمية امام الكاميرا، بحسب او انس.

واعرب ابو طارق، القائد العسكري في حماة، عن غضبه على استخدام مواقع التواصل الاجتماعي قائلاً إن بعض الممولين يريدون أن يروا أشرطة فيديو دليلاً على فاعلية الفصيل الذي يطلب دعمهم على الأرض. وقال ابو طارق “إن هذا احد الاسباب التي اضعفت ثورتنا”، موضحا انه لا يمكن تصوير كل العمليات على شريط فيديو ولكن الفصائل التي تنفذ عمليات “تفقد الدعم إذا لم تنتج أشرطة فيديو.  وإذا كسر المصور كاميرته أو لم يكن هناك انترنت، لا يكون هناك تمويل”.
في هذه الأثناء، أعرب الناشط ابو محمد في منطقة ريهانلي جنوب تركيا عن الأسف لضعف التمويل الذي يلقاه فصيله، لافتا إلى أن لديه كاميرا سوني يتيمة لا تصور ليلاً، في حين أن لواء شهداء حلب ينفذ غالبية عملياته ليلا. ويتعين على ابو محمد أن يسافر إلى تركيا لتحميل أشرطة الفيديو بسبب عدم توفر ارتباط فضائي في نطاق جهازه. وقال ابو محمد “إنها منافسة ولكني أستطيع القول انها منافسة شريفة” مضيفا ان الجميع يريدون تحرير سوريا.

ويرى محللون ان الطابع المحلي والمفكك لقوات المعارضة يجعل من المتعذر ان يُعرف حجم التمويل والمعدات التي تلقاها هذا الفصيل أو ذاك من مانحيه، سواء عن طريق الشبكة العنكبوتية أو بوسائل أخرى.
ويستطيع الممولون ان يتصلوا بالكتائب مباشرة لأن لدى كل صفحة على فايسبوك مسؤولا عن ادارتها يمكن التواصل معه بشأن وصول الأموال أو الامدادات.  ويقول الصحفي اليوت هيغينز الذي تتابع مدونته مواقع التواصل الاجتماعي من سوريا “إن من الأسباب التي تجعل هذا الفصيل أو ذاك محترما ويحظى بالاهتمام ، سواء أكان هذا الاهتمام سياسيا أو اعلاميا أو ماليا ، ان يصنع الفصيل اسما لنفسه وان افلام الفيديو ذات الانتاج عالي النوعية التي تستعرض قدرات الفصيل هي إحدى الطرق لصنع هذا الاسم”. واضاف هيغينز “انه في جانب منه اعلان لاستدراج مستثمرين محتملين”.

مواضيع ذات صلة



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *